أضف للمفضلة
بحث متقدم 
الدكتور أحمد يوسف أحمد - المصري اليوم
 

 

كثيرون سقطوا فى سباق الحياة الطويل، لكنه بقى واقفا كنخلة نبيلة، يوزع الأخلاق بيمناه والمعرفة بيسراه، محافظا على العهد والوعد، الذى قطعه على نفسه فى صمت، حين قرأ فى عيون تلاميذه احتراما له، وتعويلا عليه، وأملا فيه، فلم يخيب الظنون، ولم يكسر الخواطر، ولم يخن، ولم يسترخص نفسه ولا ما فى رأسه أبدا، وسار فى طريقه كما ينبغى للعالم أن يمضى، وصان كرامته كما يجب على الإنسان السوى أن يفعل.

كانت شمس الصبح تهدى ألقها الباهر إلى نافذة القاعة رقم (٥) فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حين رأيته للمرة الأولى، فتوحد أمامى فى لحظة نادرة من حياتى نور السماء مع نور المعرفة، على قسمات رجل فارق الأربعين من عمره بشهور، ممشوق لا اعوجاج فيه، يرفع هامته فى عزة، لكن جبينه يتطامن فى تواضع العلماء الثقات، حين يستعد لشرح درس، أو الإجابة عن تساؤل من تلاميذ، يلحون فى طلب المزيد. ومع تقدم الأسابيع أدركنا جميعا فى فرح أن استقامته لا تقف عند جسده النحيل فحسب، بل تسكن أخلاقه الرفيعة، وعلمه الغزير.

وظل دوما أكثر ما يبهرنا فى أستاذنا الدكتور أحمد يوسف أحمد، لغته الصافية، وعقله المرتب، وحججه التى تتهادى فى إحكام، ووطنيته التى لا يشوبها شىء، ولا يجرحها هوى، ولا تنقص منها منفعة ذاتية، وقدرته المذهلة على أن يختلف دون أن يقسو، ويبتعد دون أن يظلم، ويعذر الناس على جهلهم تارة، وضعفهم طورا. وظل أعلى ما يعجبنا فيه مكنته على ألا يفقد فى تعامله الدائم مع ألوان شتى من البشر ثقته بنفسه، وإيمانه بما يقول وما يفعل.

دخل إلى قاعة الدرس ليعطينا محاضرات فى «العلاقات الدولية» فوجدناه أيضا يعلمنا دروسا موازية فى «العلاقات الإنسانية»، ليس بكلام مكرور عن القيم النبيلة والمثل العليا والأخلاق السامية، بل بأفعال راسخة نابعة من كل هذا، فهمنا منها وألفنا فيها وأدركنا معها هذه الأمور جلية ناصعة، بعيدا عن ثرثرات صدعنا بها أساتذة آخرون، شرحوا لنا معنى الحرية ونراهم الآن يناصرون الاستبداد، ومدحوا لنا النزاهة ونعرف حاليا أنهم يبررون الفساد، ودافعوا عن التقدم وندرك فى الوقت الراهن أن أفعالهم تكرس التخلف.

بعد محاضرته الأولى سألنا عنه، فقيل لنا: كانت خدماته معارة لجامعة صنعاء، وعمل رئيسا لقسم العلوم السياسية بها، وأتذكر وقتها ما قاله أحد المعيدين: «أغلب الأساتذة يفضلون دول الخليج النفطية لكن الدكتور أحمد يوسف اختار اليمن». وحين رافقنا زملاء يمنيون فى مرحلة الدراسات العليا، عرفنا منهم أن الرجل ترك هناك علامة، وخلف وراءه مريدين كثرا، وكان خير سفير للأكاديمية المصرية العريقة.

وبعد عدة محاضرات سألنا عن كتبه وتابعنا تراكمها وجمعناها: «الصراعات العربية العربية» و«الدور المصرى فى اليمن» و«السياسات الخارجية للدول العربية» و«الثروة النفطية وتأثيرها على العلاقات العربية العربية» و«دراسة مقارنة ما بين حركات التحرير الفلسطينية والأفريقية». وبعد عدة سنين سألنا عن جهده، أو عن الأفعال التى ترادف الأقوال،

والحركة التى ترافق الخطاب، والتطبيق الذى يتبع التنظير، فوقفنا على دوره الكبير فى تحمل مسؤولية إدارة مؤسسة أكاديمية عربية رفيعة المستوى، وهى «معهد البحوث والدراسات العربية» التابع لجامعة الدول العربية. فيكفى أن تطالع عيناك قائمة الأساتذة الذين يدرسون التخصصات كافة، لتدرك أن الدكتور أحمد يوسف اختار الأفضل فى مصر قاطبة.

ذهبت إلى المعهد ذات يوم فوجدت قرارا معلقا على الحائط يقضى بفصل أحد الطلاب، فابتسمت وقلت لإحدى الموظفات: أيمكن أن يهون أحد على قلب رجل رحيم مثل الدكتور أحمد يوسف؟ فضحكت وقالت: «إلا فى الحق، فقد ضُبط الطالب وهو يغش أثناء الامتحان.. الدكتور لا يتهاون فى كل ما يمس الأخلاق ويضر العلم».

وسمعت أحد الساسة ذات مرة يقول: «حاولوا ضم الدكتور أحمد يوسف إلى أمانة السياسات بالحزب الوطنى فى أول أيامها.. طلبوه فجاء وحضر اجتماعا واحدا ثم مضى صامتا، ولم يأت، فهاتفوه يستفسرون عن غيابه، فاعتذر لهم»، فضحكت وقلت: «ولم يتحملوا رأيه المستقيم سوى دورة واحدة فى عضوية المجلس القومى لحقوق الإنسان». وسألت الدكتور أحمد عن الواقعتين، فابتسم، وسألنى عن أحوالى.

هكذا يتخذ الرجل مواقفه المشهودة دون ضجيج، ولا ينسى وسط انشغالاته وهمومه الذاتية والوطنية أن يحدب على كل من حوله بأدب جم ودون تكلف أو انتظار شكر من أحد، لذا قصدناه أيام الصبا ليستمع إلى شكاوانا العلمية والعاطفية، وتركنا الجامعة تباعا وقد حفر فى أعماق كل واحد منا علامات لا يبددها الزمن، ولا تبليها الأيام.

 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
مجانية التعليم
21/09/2017  
نحو حوار مجتمعى حول تطوير التعليم
14/09/2017  
المزيد
الإتحاد
«الدولة الشريفة»!
19/09/2017  
النظام القطري والأزمة الممتدة
12/09/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد