أضف للمفضلة
بحث متقدم 
الكتكوت الفصيح - المخرج سمير سيف
 
عرفت أحمد يوسف أحمد منذ أن جمعنا فصل دراسى واحد بالصف الأول الاعدادى بمدرسة شبرا الإعدادية، وكان هذا الفصل يضم متفوقى منطقة شمال القاهرة التعليمية فى شهادة الابتدائية ، وأصبحنا منذ ذلك الوقت –وسنظل بإذن الله مادام فينا نفس يتردد- صديقين مقربين ضمن ثلة من الأصدقاء الذين تزاملوا فى الفصل نفسه طوال سنوات الدراسة الإعدادية ثم الثانوية بمدرسة التوفيقية الثانوية ، وهى مجموعة أزعم – دون مبالغة أو تحيز- أن الزمان قل أن يجود بمثلها تميزاً وترابطاً .
وقد بدأت صداقتنا كما يحدث عادة فى تلك السن المبكرة بتنافس دراسى جاد خاصة فى مادتى اللغة العربية واللغة الإنجليزية . ونجحنا فى الاستئثار بحدب وإعجاب  الشيخ صلاح مدرس اللغة العربية والأستاذ لبيب مدرس اللغة الانجليزية .
يقول المثل العامى الصادق : " الكتكوت الفصيح من البيضة بيصيح "، وهذا المثل إن انطبق على شخص فهو ينطبق على أحمد الذى أظهر نبوغاً وتفوقاً منذ نعومة أظفاره ، وكان أكثر ما يميزه  اتزانه و رزانته دون أن يفقده ذلك حسه الفكاهى الحاد ولوذعيته الهادئة ، كان دبلوماسياً بالسليقة واختار لنفسه رياضة بعيدة عن العنف وتتطلب قدراً كبيراً من الرشاقة و تركيز الانتباه وهى " تنس الطاولة " ، بينما انخرط معظمنا فى رياضات تنمى العضلات !! إلا أنه لم يتردد فى الانضمام إلى فريق مجموعتنا لكرة القدم والذى ظل يمارس هذه الرياضة فى سنوات الدراسة الجامعية .
إن تفرد مجموعتنا التى كان أحمد أبرز أفرادها لا يأتى من كونها مجموعة متفوقة دراسياً بشكل ملحوظ، وإنما لأنها كانت أبعد ما يكون أفرادها عن " فئران كتب"  الذين يكونون منكبين فقط على مناهج الدراسة ،بل مارست الرياضة بشكل منتظم وكانت المجموعة ترتاد السينما أسبوعياً (باستثنائى أنا الذى يشاهد فيلمين أو ثلاثة أسبوعياً لأسباب أعتقد أنها واضحة ) وعقب مشاهدة الفيلم ينخرط أفرادها فى مناقشة عميقة لا تخلو من المرح تحلل الفيلم من كافة جوانبه بحسب ثقافتنا السينمائية فى تلك المرحلة ،أما عن القراءات الخارجية بعيداً عن المقررات فحدث ولا حرج وهى ما كانت تثرى مناقشاتنا .
وعندما أستعيد ذكريات تلك الفترة يستوقفنى شيئان أود الإشارة إليهما : أولهما أننا فى تجمعاتنا كشباب على النواصى أو الرصيف أمام منزل أحدنا أو جلستنا على أحد الكازينوهات المترامية على شاطئ النيل لا أذكر أننا قمنا فى مرة واحدة بمعاكسة البنات أو حتى مغازلتهن كدأب الشباب فى ذلك السن ،بل كنا نحمل شعوراً بالتقدير والاحترام للأنثى يتصف بقدر كبير من الفروسية .والأمر الثانى أنه برغم لقائنا يومياً بالمدرسة إلا أن ذلك لا يعادل اجتماعنا الأسبوعى عقب صلاة الجمعة أمام جامع الخازندار مسلمين ومسيحيين يجمعنا حديث واحد يتناول أحداث الوطن و ظروفه وآماله التى تجمعنا كلنا فى زمن كلنت تسود فيه روح التسامح وعدم التعصب والمواطنة الحقة .
وفى المرحلة الثانوية بدأت اتجاهاتنا العملية فى التبلور ،وبدأنا على الفور فى توزيع الحقائب الوزارية علينا كل بحسب المنحى الذى اختاره ! وقد قررنا بالإجماع إسناد حقيبة الخارجية إلى أحمد يوسف ، ولم يساورنا الشك لحظة فى أن هذا ما ستؤول إليه الأمور فى المستقبل !
التحق أربعة من مجموعتنا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (بحسب التفوق والميول) وهم أحمد يوسف أحمد وأسامة الغزالى حرب وعثمان محمد عثمان وأنا ، إلا أنني تركت الكلية بعد أسبوعين من الدراسة لألتحق بمعهد السينما الذى نجحت فى اختباراته لأحقق رغبة تملكتنى منذ المدرسة الإعدادية ، وقد كان لتشجيع هؤلاء الأصدقاء خاصة أحمد – ذو الحس الفنى المرهف – وإعجابهم بهذا القرار الجرئ فى ذلك الوقت – أكبر الأثر فى تزويدى بدعم معنوى كنت فى أشد الحاجة إليه .
لقد مر على معرفتى بأحمد يوسف أحمد ما يزيد على نيف وأربعين عاماً ، ولم نعد نلتقى بالوتيرة التى كنا نحرص عليها فى مراحل الدراسة المختلفة إلا أن جذور الصداقة الجميلة التى رسخت عبر السنوات جعلت كل لقاء بيننا رغم مرور الشهور والسنوات وكأننا لم نفترق إلا البارحة، ولعمرى هذا هو أدق وصف للصداقة الحقة بحسب تعبير السياسى الإنجليزى المخضرم" ونستون تشرشل" 
إن فكر أحمد يوسف أحمد السياسى وموقفه الوطنى ورؤياه الثاقبة لحياتنا السياسية وإنجازاته تأليفاً و تدريساً وإدارة تبدو جلية واضحة فى متناول الكثيرين ، وهناك من هم أقدر منى على بسطها وتحليلها ،إلا أننى ارتأيت إظهار جانب شخصى مبكر من حياة أحمد يوسف الذى أعتز وأفخر بصداقته وأسعد دوماً بمكالمته التليفونية عقب كل عمل فنى لى ،تلك المكالمة التى تعيد ذكرى مناقشاتنا الفنية ونحن بالبنطال القصير ! لقد أردت أن أظهر كيف أنه من تلك البذور الصغيرة تنمو أشجار البلوط الضخمة.
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
مجانية التعليم
21/09/2017  
نحو حوار مجتمعى حول تطوير التعليم
14/09/2017  
المزيد
الإتحاد
«الدولة الشريفة»!
19/09/2017  
النظام القطري والأزمة الممتدة
12/09/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد