أضف للمفضلة
بحث متقدم 
أستاذ قادر على إيقاف الزمن - وسام باسندوة
 
كانت محاضرتي الأولى التي تمر دون أن تلتفت عيناي باتجاه عقارب الساعة ولو  لمرة واحدة،كانت كل العقول تتابع تحليله بانتباه وحرص شديدين حتى لا تفوت كلمة، فكلماته معدة بعناية لكل منها وقعها، ولا يمكن حذف أي منها. إلى أن جاء صوته معلناً انتهاء المحاضرة. ساعتان مرت، لم يصدق أحد.
 عرفنا بعد ذلك أنها ليست سوى ملاحظة معتادة، فأستاذنا لديه قدرة خارقة على إيقاف الزمن، أو على الأقل قادر على التحكم في شعور طلبته بثقل مرور الوقت، تماماً مثلما هي قدرته على الإبداع في تشريح الأحداث وتحليلها.
وفخرت بنظرتي القطرية اليمنية الضيقة، لعلمي المسبق أنه مهتم باليمن وقضاياه.. لكن عندما اقتربت منه، عرفت كيف هو مهتم بقضايا الوطن العربي الكبير على السواء، يحمل همومه وآماله وتطلعاته، ويتألم لآلامه وإخفاقاته. وكم من الصعب أن تجد إنساناً بحجم الوطن العربي الكبير. وكان  هذا الدرس الأول الذي علمني إياه دون تلقين.
وهكذا هو دوماً يلغي النظرات الضيقة، في كل شيء نظرته أوسع وأعمق، في تعاملاته الرصينة تتعلم كيف تسقط كل القشور ولا تملك سوى النفاذ إلى المضمون، صفة نادرة لا يملكها سوى آحاد من البشر، فكل من يعرفه يعلم أنه لا يعنيه أن يعرف سوى اسمك الأول ليحفظه من باب اللياقة وكل ما عدا ذلك لا يعنيه. ما يستوقفه هو ما تحمله داخل هذا الرأس.
تراه عن قرب فتفهم معنى التواضع والإنسانية في أبرز صورها، دائماً لا يمكن نسيان ذلك المنظر وهو يتجول بين القاعات حاملاً حقائبه المكدسة بالأوراق البحثية والملفات، واقفاً بين الطلبة يستمع لأسئلتهم ويجاوب عليها بصدر رحب، يناقشهم وهو يقلب الحقائب من يدٍ لأخرى كلما انتفخت أوردة يده دون أن يٌشعِر أحداً بأنه مطالب بالانصراف أو على الأقل الاختصار، سؤال يدور في رأسي لماذا لا يحملها عنك أحد أو يعاونك فيها أحد ؟
 تواضع تلمسه في كل شيء ابتداءً من بابه المفتوح للجميع واستماعه باهتمام لكل الآراء والشكاوى والمشكلات مهما بلغت بساطتها..
يبقى أستاذنا متصالحاً مع ذاته يتعامل بأريحية وحرية بعيداً عن التكلف. لا ينخدع بالأقاويل ولا ينطلي عليه التصنع، يصدق ما يقنعه فقط، وإقناعه ليس سهلاً رغم مرونته، فبصيرته تنفذ لأبعد مما يقول محدثه.
أستاذنا طاقة لا متناهية في العمل والعطاء كلما تراه تذكر مقولة أبي الطيب المتنبي "إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام" كان الله في عون هذا الجسم. دائماً أتساءل كيف لشخص لا يدخل بيته يومياً قبل الحادية عشرة مساءً، أن يعطيك موعداً في باكورة اليوم الثاني، تذهب لتجده قد سبقك إلى مكتبه قبل أن يصل حتى عامل القهوة، ورأسه مندس بين الأوراق يكتب بكل تركيز. فتتساءل منذ متى هو هنا؟ متى استيقظ؟ كم من الأسئلة الإنسانية فجر في الرؤوس مثلما فجر من الأسئلة البحثية؟
أستاذنا مثقلٌ بالأعمال البحثية والإدارية، تسير متوازية بتناغم فلا يطغى أحدها على الآخر لينال الحظ الأكبر من جهده واهتمامه، مساواة في كل شيء. ناقشته كثيراً في ذلك فمن وجهة نظري المساواة على إطلاقها ظلم. فمن الظلم أن نظل كباحثين ظمأى نتخبط لجمع أبحاثه ومقالاته، نحن بحاجة ماسة لموسوعة تضم أعماله كافة، خاصة أنه انفرد بالتطرق لقضايا وجوانب غير مطروقة في الدراسات الأكاديمية العربية بمناهج وأساليب غير تقليدية أرست أسساً ونظريات فريدة في مناهج البحث العلمي في العلوم الاجتماعية بشكل عام. بالنسبة له عمله الإداري لا يقل أهمية، وهو يفني فيه الكثير لأنه تحمل مسؤولية  الإرث العريق الذي يحقق رسالة سامية..
ولا شك أن إنجازات معهد البحوث والدراسات العربية تتجلى واضحة، وبصماته مطبوعة عليها، فقد استطاع أن يحافظ على المعهد كرمز من  رموز العمل العربي المشترك.. رمز فاعل ومؤثر وحيوي، ليس كذلك فحسب بل يبقى معهد البحوث العربية رمزاً مهماً لاستمرار القاهرة كمصدر تنويري وتعليمي جامع لشباب وباحثي الوطن العربي.
أستاذنا الدكتور أحمد يوسف أحمد رمز للمثل والقيم الإنسانية العليا التي يمكن أن نقرأ أو أن نسمع عنها، فإذا هو يشعرك بوجودها، بأنها حقيقة دون الدخول في صراعات أو أن يكون مهتماً بالإعلان أو الدفاع عنها، فمثله والتزامه أقوى من أية معركة وأهم من أي نصر.
إن وجود د.أحمد يوسف أحمد  والتزامه مصدر فخر واعتزاز لكل من يحمل مثل هذه المثل أو يؤمن بها.. ومصدر تعرية وإحراج لكل من سقط في منتصف الطريق وعجز عن إكمال المسيرة.
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
مجانية التعليم
21/09/2017  
نحو حوار مجتمعى حول تطوير التعليم
14/09/2017  
المزيد
الإتحاد
«الدولة الشريفة»!
19/09/2017  
النظام القطري والأزمة الممتدة
12/09/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد