أضف للمفضلة
بحث متقدم 
بين الجامعة والأمة: النموذج - د. وحيد عبد المجيد
 

قليل هم من يتمسكون بقيمة العمل والالتزام المهنى والموقف المبدئى والمصلحة العامة فى الزمن المصرى – العربى الراهن. لم يبق للعمل معنى بعد تراجع المعايير والقواعد الموضوعية فى التقييم والحكم على أداء العاملين. فقد تراكمت عوامل التدهور المجتمعى على مدى أكثر من ثلاثة عقود بفعل سياسات اقتصادية عشوائية هبطت بقيمة العمل تدريجيا إلى أن انتفت تقريبا، فى الوقت الذى أعلت من شأن كل ما يناقضها على نحو دفع المجتمع فى أتون تفاعلات مرضية ما زالت تنتج آثارها الوخيمة.
 وحين فقد العمل قيمته فى هذا السياق، تدنى مستواه وتدهور الأداء فباتت المهن كلها والحرف جميعها تقريباً فى محنة لا سابقة لها فى تاريخ مصر الحديث على مدى قرنين من الزمن.
ولا يمكن أن يحدث مثل هذا الانهيار القيمى - المجتمعى دون أن يقترن باختلاط الأوراق فى كثير من المجالات، إلى الحد الذى يصعب فى ظله التمييز بين موقف مبدئى حقاً وآخر يبدو كذلك فى شكله. فلا يكون الموقف الذى يستند إلى مبدأ ما أو يعبر عنه مبدئياً بالفعل إلا إذا اقترن بإعلاء المصلحة العامة اقتراناً غير قابل لأى انفصام. ولكن هذه العروة الوثقى، التى كانت غالبة فيما مضى، بين الموقف المبدئى والمصلحة العامة أخذت فى الانحسار فى زمن يطغى فيه الخاص على ما عداه، وتخترق المصالح الشخصية المجال العام أيما اختراق.
وفى مثل هذه الأحوال، تنطبق قاعدة (ليس كل ما يلمع ذهباً) تمام الانطباق. فالقليل جداً مما وممن يلمع فى وقتنا الراهن هو الذى يعتبر ذهبا. وفى القلب من هذا القليل يقف الدكتور أحمد يوسف أحمد واضحاً ومميزاً حتى عن غيره من القليل الذين لم تجرفهم رياح الانهيار القيمى والتدهور الأخلاقى والتحلل المجتمعى والفساد السياسى – المالى الذى فاقمه زواج غير شرعى بين سلطة أفلست أو كادت ودب فيها التفكك وثروات تضخمت بطرق أغلبها غير مشروع وتوحشت عبر ممارسات معظمها غير مأمون العواقب فى غياب أفق واضح للمستقبل.
يبدو الدكتور أحمد يوسف أحمد مميزاً بين القليل الذين يحفظ وجودهم الأمل فى استعادة مصر الضائعة الآن، فلا يحتاج المرء إلى جهد للتأكد من أنه كذلك فعلاً وليس فقط شكلاً. فهو لم يتغير. إنه هو بكل نبله وأخلاقه ومبادئه والتزامه، مثلما عرفه من زاملوه وتتلمذوا على يديه فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى الوقت الذى بدأت عواصف تغيير مدمر تهب على مصر فى منتصف سبعينات القرن الماضى وأواخره .
عرفه كاتب السطور حين كان طالباً فى هذه الكلية، التى كانت مميزة للغاية، فوجده نموذجاً للمعيد ثم المدرس المساعد الذى يكدح طول نهاره وبعض ليله بين إكمال دراسته ومساعدة طلابه. فكان نموذجاً للمعلم الذى بدأ رحلة الانقراض فى ذلك الوقت حتى بات العثور عليه اليوم صعباً مضنياً. لم يكن له مثيل حين يدخل ( قاعة البحث) التى يعلم فيها طلابه كيف يكتبون بحثاً على أسس علمية، ليس فقط لغزارة علمه ولكن أيضا – وبالأخص – لشدة التزامه وشعوره المفرط بالمسئولية وإيمانه العميق بقيمة العمل.
ولم يتغير فيه شىء على هذا الصعيد بعد أكثر من ثلاثة عقود صار خلالها من أبرز علماء السياسة العرب وأكثرهم مصداقية وأوفرهم التزاماً.
مازال هو المعلم النموذجى الذى يبعث أملاً فى أن للتدهور المهنى الراهن نهاية مادام هذا النموذج صامداً بالرغم من كل ما حدث من انهيار.
ولا يقل أهمية النموذج الذى يمثله الدكتور أحمد يوسف فى الحياة العامة من حيث الارتباط الوثيق بين موقفه المبدئى ومصلحة الأمة. فإذا أردت أن تعرف أين تكمن هذه المصلحة إذا اختلفت المواقف وتعارضت الاجتهادات، فانظر أين يقف الدكتور أحمد يوسف أحمد الذى يحمل فى داخله تقاليد الحركة الوطنية المصرية وقد امتزجت بالنزعة العروبية فى أكثر صورها نقاء وتعبيراً عن حلم النهضة العربية فى ترسيخ الاستقلال وتحقيق الديمقراطية وإنجاز التنمية وبناء العدالة الاجتماعية لكى تستعيد أمتنا موقعها فى العالم ومكانتها بين الأمم.
وهذا هو ما تبينه كاتب السطور عندما اختلف معه قبل نحو عشر سنوات على قضية العلاقة بين السيادة الوطنية والتحول الديمقراطي. كان موقف الدكتور أحمد يوسف هو الصواب الذى لم يدركه كاتب السطور فى حينه، ولكنه لم يلبث أن اهتدى إليه واعترف به.
وهكذا، فعلى المستويين المهنى والعام يبدو الدكتور أحمد يوسف أحمد نموذجاً مميزاً ليس فقط فى ذاته ولكن أيضاً فى دلالته على أن وجه مصر المضيىء سيسطع مجدداً ذات يوم قد لا يكون بعيداً مادام هناك من يعرفون لمثل هذا النموذج قدره ويحتفون به.

 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
هذا الإنسان الرائع وزيارته التاريخية
04/05/2017  
جيش مصر
27/04/2017  
المزيد
الإتحاد
حسابات الرئاسة الأميركية
02/05/2017  
مئة يوم في البيت الأبيض
25/04/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد