أضف للمفضلة
بحث متقدم 
الدروس عميقة المغزى التى تعلمتها من الأستاذ - د. ليلى الخواجة
 

من الصعب بل أكاد أقول من المستحيل أن يعبر أى شخص عرف أ.د.أحمد يوسف أحمد عن مدى تقديره واحترامه لهذا الإنسان العظيم ،أو أن يوفيه حقه لما يتمتع به " الأستاذ" من صفات فكرية وشخصية وعلمية عديدة تركت بصماتها فى عقولنا وقلوبنا معاً .ولكن سأحاول أن أعبر بتلقائية عن أهم ثلاثة دروس تعلمتها خلال رحلة معرفتى بأستاذى الدكتور أحمد التى بدأت فى أكتوبر عام 1970 حين التحقت بالسنة الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
 الدرس الأول يتمثل فى أننى عرفت عن طريق حضور قاعة البحث لمبادئ العلوم السياسية – والذى لم أكن مقيدة به بل حضرته لأول مرة بدافع الفضول مما سمعته من زملائى عنه- كيف أن يكون أو ما يجب أن يكون عليه الأستاذ الجامعى بحق . فعلى الرغم من أن أستاذى الدكتور أحمد يوسف كان فى بداية حياته العملية كمعيد بقسم العلوم السياسية ، إلا أنه كان محاضراَ رائعاَ قادراَ على بناء جسور من التواصل العلمى والنفسى مع طلابه منذ اللحظة الأولى، فمع تمكنه العلمى الواضح كان شديد التواضع بشوش الوجه مهما أرهقناه بأسئلة ساذجة قادمة من عقول بكر لا تستطيع أن تدرك معانى مثل سيادة الدولة أو مفهوم السلطة .هذا النموذج الرائع فى العلاقة بين الأستاذ وطلبته ظل دائماً فى ذهنى أحاول الاقتداء به فى حياتى المهنية.
الدرس الثانى بدأ بعد عودتى من فرنسا وحصولي على درجتى الماجستير والدكتوراه منها وتسلمى عملى كمدرسة شابة فى أواسط عام 1984 ونظراً لغيابى الطويل – رغم زياراتى المتكررة لمصر والكلية – لم أكن أدرك حجم التغيير الذى لحق بأشخاص كثيرين عرفتهم وزاملتهم، وجدت الأغلبية العظمى من زملاء العمل السياسى الطلابى والذى بلغ أوجه خلال عام 72 و 73 تحديداً قد غيروا من مواقفهم السياسية تحديداً و توجهاتهم الفكرية أكاد أقول تغييراً جذرياً بدرجة 180 درجة .
وحده رأيته المحافظ على مبادئه المطور لمواقفه بدون التخلى عن الثوابت التى تحكمه ، الماضى فى طريقه كالراهب فى محراب فكره وعلمه ،هذا الاتساق النفسى الرائع والفهم العميق لكل ما كان يجرى فى محيطنا الضيق كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – أو الأوسع بالقطع وهو مصر والعالم العربى ،كان شعلة النور الوحيدة التى شجعتنى على مواصلة خطواتى دون الاستسلام لحالة يأس مروعة من ثلوج "النخب الفكرية " التى تحيط بنا.  وحدك يا أستاذى العظيم كنت المثل الدرس الثالث من بين الدروس العديدة التى تعلمتها هو درس عن وجه الأب المحب لعائلته ، العاشق لكل فرد فيها ،الواضع لأسرته فى مقدمة أولوياته فى الحياة . أستميحك عذرا فى ذكر بعض الأمور الشخصية التى لمستها وأنا أزاملك فى العمل خاصة خلال السنوات الخمس التى  كنت تتولى فيها مسئولية رئاسة كنترول طباعة الامتحانات الجامعية يومياً على مدى شهر أو شهر و نصف . فعلى الفور طلبت أنا الانضمام للعمل فى هذا الكنترول تحديداً رغم صعوبة مواعيده التى تبدأ من السادسة صباحاً وتمتد حتى التاسعة والنصف، ولاحظت أنه إلى جانب الدقة المتناهية والتفانى فى مراقبة كل صغيرة و كبيرة فى عملك وقتها اكتشفت لأول مرة أنك وأنت أستاذ العلوم السياسية المشهور والمرموق تذاكر بنفسك دروس أولادك و تعرف تفاصيل المواد المقررة عليهم فكيف كنت تجد الوقت للقيام بهذه المهمة ؟ وما هى بلغة الاقتصاد تكلفة الفرصة البديلة لوقتك الثمين ؟ وكم افحمتنى برأيك حين قلت أنك تستمتع بكل لحظة تقضيها بالقرب من أولادك وأنك حريص على مذاكرة دروسهم معك رغم تفوقهم فى كل مراحل التعليم. ولن أنسى ما حييت السنة التى كانت ابنتك الكبرى الرائعة هبة وابنى احمد يستعدان لإمتحان الشهادة الإبتدائية،و كنت أنا قد اعتدت كأم أن أقوم بترجمة التمارين والامتحانات الموجودة بالكتب الخارجية الى اللغة الفرنسية ليتمرن على كيفية اجتياز امتحان الشهادة العامة ، وإذ بى أفاجأ بأنك تقوم بنفسك بالمهمة ذاتها مع اختلاف وحيد وهو الترجمة الى اللغة الإنجليزية التى كانت تدرس بها هبة فى مدرستها . هل تذكر يا أستاذى حرصنا على الحصول على نسخة من كل امتحان من امتحانات محافظة الجيزة من مديرة الشئون الإدارية التى كانت تزاملنا فى كنترول الطباعة . هذه المواقف الشخصية البسيطة كانت تعكس معانى عميقة عن ترتيب أولوياتك فى الحياة ومدى القناعة والرضا والزهد فى كل ما هو زائف فى الحياة .
أستاذى العزيز جداً د.أحمد يوسف ، اعتذر لك عن عدم إعطائك حقك وقدرك لقدراتى المحدودة على الكتابة الصحفية ولكنها محاولة متواضعة من جانبى لأعبر لك عما خجلت أن أقوله لك دوماً من أنك استاذى وقدوتى ومثلى الأعلى ومهما أخذتنا أمور الحياة و مشاغلها ستظل دائماً كذلك بالنسبة لى .

 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
مجانية التعليم
21/09/2017  
نحو حوار مجتمعى حول تطوير التعليم
14/09/2017  
المزيد
الإتحاد
«الدولة الشريفة»!
19/09/2017  
النظام القطري والأزمة الممتدة
12/09/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد