أضف للمفضلة
بحث متقدم 
الدور المصري و(حلم الستينيات)
05/11/2009 | قضايا عربية | الشروق
روابط ذات صلة
25/04/2013
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية  
18/04/2013
العلاقات المصرية بحماس  
11/04/2013
مأزق القضية الفلسطينية  
04/04/2013
الوعى بالتاريخ  
28/03/2013
التحالف الأبدى  
   
 كلما تحدث أحد عن استعادة دور مصر الإقليمى بمعنى الدولة ذات الوظيفة القيادية وليس بمعنى «الناصح الأمين»، كما كتب جميل مطر باقتدار فى سبتمبر الماضى، جاء الرد سريعا بأن أصحاب هذا المنطق مازالوا يعيشون فى ستينيات القرن الماضى ويحلمون بالعودة إليها. وعلى الرغم من أن «حنين الستينيات» ليس تهمة تمس الشرف والاعتبار كى يتبرأ المرء منها، فإن الحالمين بالستينيات إما أن يكونوا من «الرومانسيين» الذين لم يعد الزمان يلائمهم وإما غير مدركين حقيقة أن الزمن الراهن غير زمان الستينيات، وأن مصر «الستينيات» بكل ما لها وما عليها ليست هى مصر الآن. الذين يطالبون بدور مصرى إقليمى قيادى إذن يفعلون ذلك من منطلق هذا الزمان وحقائقه، والرغبة فى تحقيق الأمن والازدهار الاقتصادى لمصر ووطنها العربى بعيدا عن مشروعات إقليمية ودولية يتعارض معظمها مع متطلبات ذلك الأمن وهذا الازدهار.

والمشكلة إن عديدا من كبار المسئولين فى مصر يفهمون هذه المطالبة على أنها مجرد نقد لسياساتهم وأدائهم فى المحيطين العربى والإقليمى، وعلى الرغم من أن لهذا النقد مبرراته القوية، فإن المسألة تتجاوز ذلك بكثير، لأن تراجع الدور المصرى ظاهرة يمكن أن ترد إلى نهاية الستينيات وعقد السبعينيات من القرن الماضى، نتيجة اعتبارات موضوعية مصرية وحقائق بنيوية استجدت على النظام العربى. أما الاعتبارات المصرية فتتمثل فى أن «مشروع القيادة» المصرى قد تلقى ضربة موجعة بهزيمة1967 استدعت تركيزا فى الداخل على إعادة البناء العسكرى، وجعلت من استمرار السعى الدءوب لتغيير الواقع العربى ترفا لا تتحمله ظروف الهزيمة.

من ناحية أخرى، فإن هذه الظروف نفسها فرضت على مصر أن تقبل لأول مرة ــ على الأقل فى تاريخها المعاصر ــ معونات مالية للمساعدة على مواجهة آثار العدوان تصادف أنها ــ أى المعونات ــ جاءت كلها من دول عربية محافظة، وهكذا لم يعد ممكنا أن تتلقى مصر باليد اليمنى مساعدات من هذه الدول وتعمل باليد اليسرى على تغيير الأوضاع فيها. وبرحيل عبدالناصر ــ رمز المشروع القيادى المصرى ومحركه ــ فى1970 فقد الدور المصرى قيادة كاريزمية استطاعت دوما أن تعبئ زخما جماهيريا غلابا تأييدا لهذا الدور.

وتمثلت المفارقة فى أن اللحظة التاريخية التى كان يمكن لمصر أن تستعيد فيها وظيفتها القيادية بالكامل ــ وهى لحظة أكتوبر 1973ــ كانت هى ذاتها اللحظة التى شهدت تغيرات بنيوية جذرية فى الواقع العربى مع طفرة أسعار النفط التى واكبت الحرب، وقد ترتب على هذه الطفرة ظهور مراكز مالية عربية جديدة أزاحت القوة الاقتصادية المصرية من الصدارة، وتحول بعض هذه المراكز بفعل رؤى سياسية وعوامل أخرى للقوة إلى أدوار قيادية منافسة برز من بينها الدوران العراقى والسعودى. ومن الناحية البنيوية قد يكون فقدان التفرد بالصدارة فى النظام العربى واحدا من العوامل التى دفعت السادات إلى أن يخرج على مألوف سلوك هذا النظام ويقوم بزيارته الشهيرة إلى إسرائيل فى1977، ويتوصل فى1978 إلى اتفاقيتى كامب ديفيد مع إسرائيل بوساطة أمريكية، ثم ينتهى بعقد معاهدة سلام معها فى1979. غير أن الأهم أن ذلك السلوك قد أفقد الدور المصرى فى الوطن العربى مقوما آخر بالغ الأهمية من مقومات القيادة، وبدلا من «مشروع التحرر العربى» الذى كانت مصر تقود الوطن العربى من خلاله فى خمسينيات القرن الماضى وستينياته ظهر مشروع غامض لتسوية عربية ــ إسرائيلية تضمنته اتفاقية كامب ديفيد الثانية، ولم يحظ هذا المشروع بطبيعة الحال بتأييد عربى يذكر.

ومن الحقيقى أن النظام العربى وإن اعترض فى حينه على هذا المشروع على نحو شبه جماعى، إلا أنه أخفق فى بلورة بديل لمشروع السادات، فلا هو استطاع أن يجعل من «الجبهة الشرقية» بديلا للجبهة المصرية فى المواجهة العسكرية مع إسرائيل، ولا هو تمكن من طرح بديل أفضل للتسوية، اللهم إلا اعتبارا من صيغة فاس التى أقرتها القمة العربية فى1982 والتى ظلت مع ذلك حبرا عربيا باهتا على أوراق السياسة الإقليمية، كذلك فإن النظام العربى اكتشف فى النصف الثانى من الثمانينيات مع تطورات الحرب العراقية ــ الإيرانية أن اتقاء الخطر الإيرانى المتزايد مستحيل دون مصر، وهكذا بدأت عملية المصالحة المصرية ــ العربية على الصعيد الثنائى أولا فى قمة1987 واكتملت على الصعيد الجماعى فى قمة 1989. لكن تلك التطورات مع ذلك لم تكن إيذانا بعودة الدور المصرى إلى سابق عهده بسبب التحولات البنيوية التى سبقت الإشارة إليها، وربما يكون الأهم من ذلك أن «الدور المصرى» قد اختار آنذاك التوحد مع المشروع الأمريكى فى المنطقة أو على الأقل التحالف معه، ولسنا الآن بصدد تقييم هذا الخيار الاستراتيجى. تجدر الإشارة فحسب إلى أن آثاره كانت كارثية بالنسبة للدور المصرى عربيا، فلم تكن هذه الدولة العربية أو تلك بحاجة إلى «وسيط» مصرى لكى تدلف إلى البوابة الأمريكية، ومن هنا حدث مزيد من تآكل الدور المصرى.

وبدت مظاهر هذا التآكل بعد ذلك فى أكثر من اتجاه، كما فى إهمال مناطق بأكملها بالغة الحيوية للمصالح المصرية كأفريقيا بعد أن تولى بطرس غالى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وبصفة خاصة مع انحسار التمثيل المصرى بشكل لافت فى القمم الأفريقية فى أعقاب محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا فى 1996، والتوقف غير المبرر عن توظيف عوامل مهمة للقوة المصرية الناعمة فى تنشيط الدور القيادى لمصر فى الوطن العربى، كما يظهر من إعلاء منطق الحساب الاقتصادى على منطق التنشئة السياسية فى استضافة الدارسين العرب فى مؤسسات التعليم العالى، ومن ثم تراجع دور حلقة الوصل التى كانوا يمثلونها بين دولهم وبين مصر، والتى كان ينتج عنها حضور مصرى دائم وقوى فى تلك الدول، وفقدان مصر الريادة الإعلامية فى مجال تقديم الخدمة الخبرية، وبداية تآكل التفوق المصرى الحاسم فى مجال الدراما التليفزيونية، وأخيرا وليس آخرا غياب الرؤية الإستراتيجية الشاملة التى تحكم تحرك مصر فى المنطقة لحساب قضايا جزئية كما فى التركيز المبالغ فيه على غرس «شجرة المصالحة الفلسطينية» ــ مع كل التقدير للجهود المخلصة والدؤوبة فى هذا الاتجاه ــ بينما غابة التسوية الشاملة وإدارة الصراع العربى الإسرائيلى برؤية جديدة فاعلة هى التى تحتاج جهودا بوزن الجهود التى ترتبط باسم مصر.

لا يحتاج الأمر إلى معجزة كى يتغير ما سبق إلى الأفضل، ولننظر ما فعلته تركيا لدورها الإقليمى فى غضون سنوات قليلة: تحول فى التوجهات من التركيز على عضوية الاتحاد الأوروبى التى لن تجئ إلى الانغماس فى سياسات الإقليم برؤية جديدة يمكن تسويقها بنجاح بين نظمه الحاكمة ونخبه المثقفة بل وقطاعات واسعة من الرأى العام فيه رؤية شاملة للمنطقة تنطلق من مصالحة مع الجغرافيا والتاريخ ــ قوة عسكرية بالمعايير الإقليمية واقتصاد قوى واعد. هكذا نفذت الدبلوماسية التركية فى شهر واحد على سبيل المثال هو شهر أكتوبر الماضى واحدة من أوسع «الهجمات» فى تاريخها وأكثرها دلالة على معنى الدور الإقليمى وفعاليته، ففى شهر واحد تصالح الأتراك ممثلين برئيس وزرائهم ووزير خارجيته ــ مهندس التغيير ــ مع أرمينيا بعد عداء تاريخى ممتد، وبنوا جسورا جديدة مع العراق بما فى ذلك أكراده، وفتحوا الحدود مع سوريا دون تأشيرات بعد عقود من النزاع حول لواء الإسكندرونة، ووضعوا أسسا قوية لتعاون مع إيران يمهد لنظام إقليمى جديد، وألغوا المناورات العسكرية مع إسرائيل لحساب مناورات مع سوريا ناهيك عن التصريحات اللفظية الحادة تجاه السياسات العدوانية الإسرائيلية. والنتيجة الطبيعية أن تركيا صارت تتمتع بحضور قوى فى السياسة العربية سواء فى أوساط قطاعات من الرأى العام والنخب السياسية والمثقفة، أو من خلال علاقات قوية مع معظم الدول العربية ذات التأثير، ومباركة من الجامعة العربية لدورها كما اتضح فى موقف الجامعة من الوساطة التركية لحل أزمة العلاقات السورية ــ العراقية.

لقد تمكن محمد على فى ظل تبعية قانونية «للباب العالى» من أن يبنى إمبراطورية مصرية حقيقية فى الوطن العربى وأفريقيا، ولا أحد يحلم بالمناسبة بأن يعيد إنجازاته، لكنه تمكن من ذلك بفضل عوامل لا تختلف كثيرا من حيث جوهرها عن عوامل الصحوة التركية الراهنة، وكرر عبدالناصر بعد أكثر من قرن إنجازات محمد على مع خلاف بين فى التفاصيل اقتضته طبيعة المرحلة، أما الآن، فإن مصر تئن تحت وطأة اقتصاد يسعى رجاله بكل السبل إلى «تعويمه»، وغياب لعدالة توزيع عوائده، وتجربة فى التطور السياسى ما زالت تراوغ على أعتاب الديمقراطية، ونظام حكم مشغول بأولوية «البقاء» قبل أى شىء آخر، وبيئة عربية وإقليمية غير مواتية. من هنا تبدو معضلة الدور المصرى الحقيقية وليس من البكاء على «لبن الستينيات المسكوب».
أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
رسالة إلى مجلس النواب
22/06/2017  
العلم والمجتمع
15/06/2017  
المزيد
الإتحاد
مغالطات الأزمة القطرية
27/06/2017  
الأزمة القطرية وتناقضات المواقف الدولية
20/06/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد