أضف للمفضلة
بحث متقدم 
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010 | قضايا عربية | مصادر أخري
روابط ذات صلة
04/05/2017
هذا الإنسان الرائع وزيارته التاريخية  
27/04/2017
جيش مصر  
20/04/2017
النظام الرئاسى المفترى عليه  
13/04/2017
رسائل المواجهة  
06/04/2017
تأملات فى قمة البحر الميت  
   

تعود العرب في السابق أن ينظروا إلى "قممهم" باعتبارها محطات فاصلة تتم فيها مواجهة تحديات جسام أو خطر داهم، هكذا فعلت قمة أنشاص 1946 التي حاولت وقف التدهور في الموقف العربي إزاء المشروع الصهيوني في فلسطين، وقمة القاهرة 1964 التي وضعت الخطط الفنية والعسكرية لمواجهة المشروعات الإسرائيلية لتحويل مجرى نهر الأردن، وقمة الخرطوم 1967 التي واجهت باقتدار تداعيات الهزيمة العربية في1967، وقمة القاهرة 1970 التي وضعت حداً للاقتتال بين السلطة الأردنية والمقاومة الفلسطينية، وقمة بغداد 1978 التي تصدت لنهج السادات الجديد في إدارة الصراع العربي-الإسرائيلي، وقمة القاهرة 1990 التي حاولت مواجهة تداعيات الغزو العراقي للكويت.

لذلك ظل الأمل في "دورية القمم" يحدو أولئك الحالمين بمستقبل عربي أفضل، على أساس أن القمم كانت تغيب أحياناً وتتأخر أحياناً أخرى في لحظات فارقة في مصير العرب بدعوى الإعداد الجيد، فلما تحقق الحلم وتقررت دورية القمم في قمة القاهرة 2000 سرعان ما اتضح أن العيب لم يكن في عدم انتظام انعقاد القمم، وإنما في وجود خلل بنيوي في النظام العربي ذاته، ناهيك عن أن دورية القمم لا تعني غيابها إذا وقعت أحداث جسام بين قمتين، وخاصة أن بروتوكول دورية القمم أتاح عقد قمم استثنائية بموافقة ثلثي الأعضاء في الجامعة العربية، لكن القمم العربية مع ذلك غابت في مواقف عصيبة كغزو الولايات المتحدة للعراق في 2003، والاعتداء الإسرائيلي على لبنان في 2006 ثم على غزة في 2008/2009.

لهذا كله، بالإضافة إلى الطابع "الروتيني" الذي اتسمت به معظم قرارات القمم العربية، لم تعد الجماهير والنخب العربية تعول كثيراً على انعقادها، ومع ذلك فإن الاندفاعة الإسرائيلية الجامحة تجاه العدوان على المقدسات العربية وتهويد القدس والإمعان في الاستيطان في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، واتضاح العجز الأمريكي عن وقف هذه الاندفاعة كانا مصدراً لإحياء الأمل في أن تأتي قمة سرت بشيء غير مألوف، ولاسيما أنها تنعقد برئاسة قائد الثورة الليبية الذي اتسمت دبلوماسيته دائماً بمبادرات غير مألوفة، غير أنه كان من الواضح أن الاعتبارات البنيوية في النظام العربي من جانب، وتغليب الرغبة في الوصول بالقمة إلى بر الأمان من جانب آخر قد انتهيا بقمة سرت حيث انتهت قمم أخرى. بل لقد سبقت القمة مباشرة أحداث تشي بأن التمثيل فيها لن يكون على ما يرام (حضر القمة 13 من إجمالي قادة الدول العربية البالغ عددهم 22 أي بنسبة تقل عن 60%)، فلبنان تحفظ على دور ليبيا في اختفاء الإمام موسى الصدر، والعراق أظهر احتجاجه على لقاء العقيد القذافي قبل القمة مع وفد من القوى السياسية العراقية المعارضة، ومرارة الرئيس الفلسطيني بسبب عدم استقبال القذافي له خلال زيارته الأخيرة لليبيا لم تكن خافية (عمقها لاحقاً أن القذافي لم يستقبله في المطار لدى وصوله لحضور القمة)، فيما بدا أن غياب العاهل السعودي عن القمة، وهو الحريص على حضور كافة القمم لدوره الرائد في المصالحات العربية، ربما يكون متأثراً بخلافه القديم مع القذافي. ويضاف إلى هذا بطبيعة الحال ملك المغرب وسلطان عمان اللذان أصبح غيابهما عن القمم سلوكاً مستقراً، والرئيس المصري الذي منعته مرحلة النقاهة من مرضه من الحضور. ولا شك أن لارتفاع نسبة القيادات العليا بين المشاركين في القمة دورها الإيجابي في حسم القرارات وإكسابها صدقية أكثر. غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا فحسب، وإنما سبق القمة إلحاح جزائري على ضرورة تدوير منصب الأمين العام بين الدول الأعضاء وعدم قصره على دولة المقر كما جرى العرف، وإصرار مصري على أن المنصب كان مصرياً وسيظل كذلك.

لكل ما سبق لم تكن ثمة آمال كبيرة معقودة على هذه القمة، والحقيقة أن القمة لم تخيب الظن فلم تكشف قراراتها عن جديد؛ إذ حافظت هذه القرارات وفقاً للبيان الختامي على المنطلقات الأساسية كالبدء من تأكيد التضامن العربي والهوية العربية، والحرص على تطوير منظومة العمل العربي المشترك، وضرورة جلاء إسرائيل عن كافة الأراضي التي احتلتها في1967 بما في ذلك القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المنتظرة، ومناشدة إيران التجاوب مع المساعي الإماراتية لحل مشكلة الجزر سلمياً، وغير ذلك من القرارات التي لا يجد المسؤولون بأنفسهم حاجة إلى تغييرها طالما أن المسألة ستفضي في النهاية إلى بيان يمضي إلى حال سبيله. ولا بأس بعد ذلك من إضافة عبارات جديدة هنا وهناك إلى القرارات حتى تبدو مواكبة للتطورات والمستجدات، فإذا كان الرئيس اليمني قد قدم مبادرة للاتحاد العربي فلا بأس من تكوين لجنة لدراسة مقترحه تمهيداً لعرضه على القمة التالية، وإذا كان الأمين العام قد قدم رؤية متميزة بشأن العلاقة مع دول الجوار فلا بأس من مطالبته بإعداد ورقة عمل عن الموضوع تعرض بدورها على القمة القادمة، وإذا كانت انتخابات برلمانية قد أجريت في العراق قبل انعقاد القمة فلا بأس من الترحيب بها، وإذا كانت سويسرا قد دخلت في مشكلات مع ليبيا فلا بأس من تأييد الأخيرة، وإذا كانت الدولة الأولى قد حظرت بين القمتين بناء المآذن فلا بأس من إدانتها.

فيما عدا هذا تشي قرارات القمم، ومنها القمة الأخيرة بتشابه وتداخل واضحين، ويعرف الذين تعودوا الاطلاع على "الكتب" التي تتضمن القرارات التفصيلية للقمم العربية أن هذه القرارات تتضمن كثيراً فقرات طويلة منقولة مما سبقها من قرارات لقمم سابقة بالحرف أحياناً، وليس في هذا عيب في حد ذاته، بل إنه قد يعني "التمسك بالثوابت"، غير أن العيب يبدأ عندما تكون الظروف قد تغيرت جزئياً أو كلياً فيما تبقى القرارات العربية على ما هي عليه، كذلك فإن ثمة عيباً لا يخفى على أحد، وهو أن تكرار القرارات يعني بمفهوم المخالفة أنها لا تجد سبيلها إلى التنفيذ على أرض الواقع، فتكرار القرارات الخاصة بضرورة جلاء إسرائيل عن الأراضي المحتلة بعد 1967 لعشرات السنين يعني أن إسرائيل ما تزال تحتل هذه الأراضي، وتكرار الحديث عن المصالحة الفلسطينية للمرة الثالثة على التوالي منذ قمة دمشق 2008 يعني أننا أبعد ما نكون عنها، وتكرار المطالبة بالرفع "الفوري" للحصار عن غزة منذ فرض في 2006 يعني أنه لم يرفع، وتكرار الدعوة إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية يعني أن الخلل النووي الموجود لصالح إسرائيل ما زال على ما هو عليه، وتكرار دعوة إيران إلى الانسحاب من الجزر الإماراتية الثلاث لعشرات السنين يعني أنها لم تنسحب، وهكذا. وهو الأمر الذي يجب أن يدفع المحللين عامة، والعروبيين منهم خاصة، إلى عمل دراسة تتعلق "بفاعلية" قرارات القمم العربية وتحديد مسبباتها حتى نحاول تلمس السبل فيما يمكن أن يقيل النظام  العربي من عثراته إن كان سيقدر له ذلك.

بل إن ما يخيف في بعض الأحيان أن قرارات القمم العربية تتراجع عن مواقف سابقة بدا في حينه أنها تمثل نقطة بداية جديدة في قضايا بالغة الخطورة بالنسبة للمستقبل العربي، ومن ذلك على سبيل المثال قمة الرياض2007 التي اتخذت في قضية الانتشار النووي قرارات أعطت الأمل بأن ثمة مراجعة حقيقية للسياسات العربية في هذا الصدد، فقد تحدثت قرارات القمة عن وضع برنامج عربي جماعي لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، ودعت مجلس الجامعة على المستوى الوزاري إلى عقد جلسة استثنائية لتقييم السياسة العربية التي اتبعت خلال العقود الماضية وإعادة النظر فيها، وتحديد ما إذا كانت هذه السياسة تصلح اليوم في ظل الأوضاع الدولية القائمة، وهل تستمر الدول العربية في المطالبة بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية، أم إن ثمة بدائل مناسبة يمكن للدول العربية التحرك في إطارها في حالة عدم اتخاذ المجتمع الدولي أي خطوات مناسبة لتنفيذ المبادرة العربية لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من كافة أسلحة الدمار الشامل، ووضع تصور عربي لكيفية التعامل مع الموقف في ضوء التوجه الإسرائيلي نحو كسر سياسة الغموض التي اتبعت خلال السنوات السابقة. وقد يكون الأهم من ذلك كله هو قرار القمة بتعليق أعمال اللجنة الفنية المعنية بإعداد مشروع معاهدة لجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، والتي أنشئت عام 1994 لحين إعادة تقييم السياسة العربية.

لا يدري المرء أين ذهبت كل هذه القرارات، لكن المتوافر لدينا الآن يقيناً هو قرار قمة سرت الذي عاد إلى السيرة الأولى للقرارات العربية قبل 2007، واكتفى بمطالبة المجتمع الدولي بالعمل الفوري على إخلاء العالم من السلاح النووي، وترجمة المبادرات الدولية في هذا الصدد إلى خطط عملية ملزمة ذات برامج زمنية محددة، وتأكيد حق الدول الأطراف في معاهدة منع الانتشار النووي في امتلاك التكنولوجيا النووية وتطويرها للأغراض السلمية، ومطالبة مؤتمر مراجعة المعاهدة الذي سيعقد هذا العام (2010) بتبني خطوات عملية لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، والتحذير من أن إصرار إسرائيل على عدم الانضمام للمعاهدة سيؤدي إلى مزيد من الخلل في أمن المنطقة، ويدخلها في سباق تسلح وخيم العواقب. أي إن الموقف العربي تراجع بين سنتي2007 و2010 من "الخاص العربي" إلى "العام الدولي"، ومن محاولة "الإمساك عربياً" بزمام المبادأة إلى "مطالبة المجتمع الدولي" بالنيابة عن العرب في مطالبهم النووية.

ينطبق الأمر نفسه على الموقف العربي من جهود السلام. فقد طالبت قمة دمشق في2008 بإجراء تقييم للاستراتيجية العربية في هذا الصدد ومراجعتها تمهيداً لإقرار خطوات التحرك العربي المقبلة في ضوء هذا التقييم، وأكدت أن استمرار الجانب العربي في طرح المبادرة العربية للسلام مرتبط بتنفيذ إسرائيل التزاماتها في إطار المرجعيات الدولية لتحقيق السلام في المنطقة. أما البيان الختامي لقمة سرت فلا ذكر فيه أصلاً لمراجعة أو تقييم، بل لا حديث من أساسه عن المبادرة العربية وما إذا كانت ستبقى إلى الأبد على الطاولة أم إن التلويح بشيء آخر ممكن؟

ويضاف إلى ما سبق أن قمة سرت لم تتخذ أي قرار بشأن تطوير منظومة العمل العربي المشترك، وباستثناء التوجيه الباهت الذي لا يتناسب مع إلحاح الأمين العام "بتطوير مجلس السلم والأمن العربي وآليات عمله بما يمكنه من أداء مهماته على النحو الأكمل" لم تحسم القمة أمرها في ملفات التطوير، ووفقاً لبيانها الختامي أحيلت مبادرة الاتحاد العربي التي تقدم بها الرئيس اليمني إلى لجنة خماسية عليا من رئيسي القمتين السابقة والحالية بالإضافة إلى رؤساء مصر والعراق واليمن والأمين العام. ويلفت النظر في هذا القرار ما يمكن اعتباره خطأً بروتوكولياً في البيان الختامي الذي نص على أن تشرف هذه اللجنة على إعداد وثيقة تطوير منظومة العمل العربي المشترك على أن تعرض على الدول الأعضاء "تمهيداً لمناقشتها على مستوى وزراء الخارجية قبل عرضها على القمة الاستثنائية المقرر عقدها في موعد غايته أكتوبر من هذه السنة"، والسؤال هنا كيف يناقش وزراء الخارجية وثيقة أشرف على إعدادها خمس قيادات عربية عليا؟ كذلك طالبت القمة الأمين العام بإعداد ورقة عمل عن فكرته الخاصة بسياسة الجوار العربي، وينطبق على هذه الورقة ما ينطبق على وثيقة التطوير. أما حديث الأمين العام الصريح عن ضرورة إعادة النظر في السقف المالي الذي تعمل الجامعة في ظله إذا كنا نريد لها أن تضطلع بدور فاعل، واقتراحه الخاص بإنشاء مفوضية للقدس، ووضع النظام الأساسي للبرلمان العربي الموحد، وقضية تدوير منصب الأمين العام، ومكان انعقاد القمة التالية فقد مثلت قضايا سكت عنها البيان الختامي تماماً، وبالتالي فإن موعد استئناف الحديث عنها سوف يحين في القمة الاستثنائية.

وقد انفردت قمة سرت بالدعوة إلى عقد هذه القمة الاستثنائية منذ قررت قمة القاهرة في 1964 عقد قمة الإسكندرية في سبتمبر من السنة نفسها لمتابعة قرارات القمة الأولى، لكن الزمان كان غير الزمان، وكانت هناك مشروعات فعلية بدأ تنفيذها تحتاج إلى متابعة وليست قضايا تأجل اتخاذ القرار بشأنها. وعلى الرغم من أن الدعوة إلى هذه القمة الاستثنائية يمكن اعتبارها عملاً إيجابياً يدل على الجدية في حد ذاته فإنه قد يمثل مشكلة من منظور الإعداد له واختيار توقيته ومكانه المناسبين.

هكذا بدا النظام العربي الرسمي في نهاية الربع الأول من عام 2010 وكأنه ضل طريقه وافتقد القيادة والتوجيه، ولم يعد أمامه من سبيل إلا النهضة أو الاندثار.

قضايا الساعة - مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

 

 

ecssr
أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
هذا الإنسان الرائع وزيارته التاريخية
04/05/2017  
جيش مصر
27/04/2017  
المزيد
الإتحاد
حسابات الرئاسة الأميركية
02/05/2017  
مئة يوم في البيت الأبيض
25/04/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد