أضف للمفضلة
بحث متقدم 
أزمة العلاقات المصرية-السورية: محاولة للفهم
30/12/2008 | قضايا عربية | مصادر أخري
روابط ذات صلة
16/03/2017
الكارت الذهبى  
09/03/2017
تجديد الخطاب الدينى  
02/03/2017
هيبة الدولة وروح مصر  
23/02/2017
التعديل الوزارى  
16/02/2017
مصر‭ ‬والقمة‭ ‬العربية‭ ‬القادمة  
   
عرفت العلاقات المصرية-السورية منذ نشأة النظام الإقليمي العربي المعاصر ظاهرتي التعاون والصراع معاً، ووصل التعاون إلى الوحدة الكاملة بين البلدين خلال الفترة من 1958 إلى 1961، فيما وصل الصراع إلى حد الاتهام بالتدخل في الشؤون الداخلية في أعقاب الانفصال الذي وقع في سبتمبر/أيلول من تلك السنة. وفي تلك الحالتين كان تأثير تطور العلاقات المصرية-السورية على النظام العربي لافتاً سواء في جانبه الإيجابي أو السلبي؛ فعندما تعاونت الدولتان في أول عمل عسكري عربي مشترك ضد إسرائيل في حرب أكتوبر1973 كانت النتيجة غير مسبوقة فيما حققته من إنجاز، ولا شك أن الخلاف الحالي بينهما كانت له تداعياته السلبية الواضحة على إمكانية تحرك النظام العربي إلى مستوى أفضل من منظور التماسك والقدرة على الفعل.
وتبدو الأزمة الراهنة في العلاقات بين البلدين شديدة الوطأة، وليس أدل على ذلك من استدعاء الخارجية المصرية السفير السوري بالقاهرة في 24/12/2008 للتعبير عن قلق مصر من المظاهرات "الغوغائية" التي تم تنظيمها حول مقر السفارة المصرية في دمشق قبل يومين من الاستدعاء، فيما استقبلت القيادة المصرية وزيرة الخارجية الإسرائيلية في اليوم التالي مباشرة (25/12/2008). ويُظهر هذا بعد الشقة الراهنة في العلاقات بين البلدين إلى حد إمكان التنسيق السياسي بين القيادتين المصرية والإسرائيلية في الوقت الذي تفتقد فيه لغة الحوار بين البلدين العربيين.
لقد مرت العلاقات المصرية-السورية بدورات شبه منتظمة من التعاون والصراع. وإذا بدأنا بمرحلة المد القومي في منتصف خمسينيات القرن الماضي سوف نجد تماهياً شبه تام بين سياستي البلدين وصل ذروته بالوحدة في فبراير/شباط 1958، وبعد الانفصال في سبتمبر/أيلول1961 دخل البلدان مرحلة توتر شديد للعلاقات سواء نتيجة اتهامات سورية بتدخل مصري في الشأن الداخلي السوري، أو إخفاق محاولات إعادة الوحدة بين البلدين، وإن كان هذا التوتر لم يحل دون إمكانية التنسيق كما اتضح أثناء دبلوماسية القمم العربية التي دشنها الرئيس عبد الناصر منذ نهاية عام 1963، وفتحت هزيمة البلدين أمام العدوان الإسرائيلي في1967 الباب لاحقاً لتعاون عسكري رفيع المستوى أفضى إلى إنجازات حرب أكتوبر1973، ثم تسببت السياسة الجديدة التي اتبعها الرئيس السادات تجاه التسوية السلمية للصراع مع إسرائيل اعتباراً من زيارته الشهيرة للقدس في نوفمبر/تشرين الثاني1977 في حلقة جديدة من حلقات الصدام بين السياستين المصرية والسورية، وإن خفف من وطأته أن هذا الخلاف لم يكن خلافاً مصرياً-سورياً ثنائياً وإنما خلاف مصري-عربي جماعي. ومع ذلك لوحظ أن سورية كانت واحدة من أكثر الدول العربية تشدداً في هذا الخلاف. ومهد الغزو العراقي للكويت في أغسطس/آب 1990 لحلقة جديدة من حلقات التعاون بين البلدين ضد الغزو بالتحالف مع الولايات المتحدة، وشهد هذا التعاون محاولة لبناء نظام عربي أمني جديد من خلال إعلان دمشق مارس/آذار 1991 لم تكلل بالنجاح لأسباب لا تعود إلى البلدين.
والواقع أن الأزمة الراهنة في العلاقات المصرية-السورية يمكن أن ترد إلى الغزو الأمريكي للعراق في 2003. صحيح أن موقفي البلدين تجاه الغزو لم يختلفا جذرياً، غير أن تداعيات الغزو أفضت من ناحية أخرى إلى محاولات واضحة لتقويض النظام السوري من داخله، وكذلك دوره الإقليمي، وبصفة خاصة في لبنان في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، ومن ناحية أخرى إلى تكوين ما يسمى بمعسكر الاعتدال في الوطن العربي من دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن. وكان واضحاً أن السياسة السورية، وإن اضطرت آنذاك للقيام بتنازلات تكتيكية لعل أهمها اضطرارها إلى سحب قواتها المسلحة من لبنان، قد استخدمت كل الأوراق الممكنة من أجل البقاء واستعادة النفوذ الإقليمي مستعينة في هذا بحليفتها إيران التي قويت شوكتها إلى حد بعيد عقب احتلال العراق، وفي هذا الإطار تباين الموقفان المصري والسوري مما يجري في لبنان، ولاسيما في ظل العدوان الإسرائيلي عليه في صيف 2006، حيث كان واضحاً أن السياسة المصرية غير راضية عما قام به حزب الله فيما كانت السياسة السورية تظاهره بوضوح، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى تلميحات غير موفقة بروتوكولياً للرئيس السوري بخصوص ما أسماه بأنصاف المواقف وأنصاف الرجال في إشارة لمواقف عربية عديدة من الحرب.
وهكذا بدا للمرة الأولى أن لبنان قد قفز إلى صدارة أولويات السياسة المصرية كانعكاس لتفاقم الخلافات المصرية-السورية، وفيما شهدت القاهرة في عام 1976 قمة "لتنظيم" التدخل العسكري السوري في الحرب الأهلية اللبنانية آنذاك، أصرت القاهرة على أن نجاح قمة دمشق في مارس/آذار 2008 يتطلب تذليل سورية العقبات التي تحيط باختيار رئيس الجمهورية اللبناني، وعندما لم يحدث هذا خفضت القاهرة تمثيلها في القمة إلى مستوى وزاري. بالمقابل انعكس الخلاف في منهج السياسة الخارجية بين البلدين على الموقف السوري مما جرى ويجري في فلسطين منذ الخلاف بين فتح وحماس، ولاسيما في أعقاب سيطرة الأخيرة عسكرياً على غزة في يونيو/حزيران 2007. وفيما حاولت الدبلوماسية المصرية الحفاظ على شعرة معاوية مع كل الأطراف الفلسطينية مع انحياز لم تخفه لشرعية الرئاسة الفلسطينية، فإن سورية كانت حاسمة في انحيازها لحماس، ولذلك كانت الدبلوماسية المصرية شديدة الحساسية إزاء تصريحات وليد المعلم وزير الخارجية السوري أمام المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، والتي دعا فيها "الوسيط" بين فتح وحماس إلى الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف ليصل الحوار إلى نتيجة، ومع أن المعلم لم يسمّ مصر تحديداً فإن الدبلوماسية والإعلام الرسمي المصريين بنيا فهمهما للتصريحات على هذا الأساس، وعليه جاءت ردود الأفعال المصرية غير المواتية. وعندما امتنعت حماس عن حضور الحوار الفلسطيني كان واضحاً أن الدوائر السياسية المصرية الرسمية تحمل سورية مسؤولة عن هذا السلوك الذي رأت فيه تخريباً لدور الدبلوماسية المصرية في هذا الصدد، وأخيراً، وليس آخراً، يأتي الدور المنسوب لمصر بالمسؤولية بشكل أو بآخر عن استمرار حصار غزة، والسماح بمظاهرات لا يدري المرء حقاً ما تضمنته من إساءات للسياسة والقيادة المصريتين، ليمثلا فيما يبدو القشة التي قسمت، أو تكاد، ظهر العلاقات المصرية-السورية.
وعندما يتأمل المرء في تفسير كل هذه التطورات لا يستطيع أن يتخلص من فكرة التنافس على الأدوار القيادية كمدخل لهذا التفسير، فواقع الأمر أنه لا يوجد خلاف "استراتيجي" بين السياستين حول قضايا التسوية السلمية مع إسرائيل، كما أن الدبلوماسية المصرية لا تستطيع أن تتذرع بالشأن اللبناني في نقد السياسة السورية بعد أن حدث انفتاح أوروبي واضح على سورية بما في ذلك ما يتعلق بالقضية اللبنانية، وتبدو هاتان القضيتان أساسيتين في الخلاف المصري-السوري الراهن، ويضاف إلى ذلك بطبيعة الحال قلق مصري ظاهر من استمرار التحالف السوري-الإيراني لأسباب تتعلق على الأقل بموازين القوى الإقليمية.

يتمثل الأمل الوحيد في إمكان الخروج السريع نسبياً من الحلقة المفرغة للأزمة المصرية-السورية الراهنة في أن تدرك قيادتا البلدين أن كلاً من مصر وسورية غير مستفيد من هذه الأزمة، وأن المستفيد الوحيد أطراف أخرى على رأسها إسرائيل بالتأكيد، وهو ما يتناقض مع أمن مصر وسورية معاً، والذي كان دوماً محوراً أساسياً للعلاقات بين البلدين. ففي عام 1956 على سبيل المثال أضافت العناصر القومية في الجيش السوري إلى الجهد الحربي المصري إضافة استراتيجية بتدميرها الخط الرئيسي الذي كان ينقل البترول العراقي إلى أوروبا الغربية عبر الأراضي السورية، وفي عام 1957 حرك عبد الناصر قواته إلى سورية للمشاركة في التصدي للتهديدات التركية آنذاك، وفي عام 1973 أنجز البلدان بعملهما العسكري المشترك الرفيع ما يعرفه الجميع، وفي عام 1998 لم يهدأ للرئيس مبارك بال حتى توصل إلى حل سياسي للأزمة التركية-السورية آنذاك. فهل تدرك قيادتا البلدين حقيقة الاعتماد المتبادل بينهما في مثل هذه القضية الحيوية وتضعان أقدامها على بداية طريق الخروج من الأزمة؟ من ناحية أخرى تشير الخبرة التاريخية المعاصرة إلى أن الخروج من إسار أزمات العلاقات المصرية-السورية كان يتم على نحو أسهل عندما يقع تغير جذري في البيئة الإقليمية (هزيمة1967) أو الدولية (جورباتشوف وتداعيات سياسته على الاتحاد السوفيتي)، ومن الممكن الادعاء بأننا مقبلون فعلاً على ظروف إقليمية ودولية جديدة على الأقل في ظل تنامي فرص اليمين في إسرائيل والقيادة الأميركية الجديدة في البيت الأبيض. فهل يمثل هذا باباً إضافياً للأمل في كسر الحلقة المفرغة لأزمة العلاقات المصرية-السورية؟

أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
الكارت الذهبى
16/03/2017  
تجديد الخطاب الدينى
09/03/2017  
المزيد
الإتحاد
قراءة في الانتخابات الهولندية
21/03/2017  
عباس في البيت الأبيض
14/03/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد