أضف للمفضلة
بحث متقدم 
ستون عاماً على نشأة إسرائيل: محاولة لاستخلاص بعض الدروس
15/05/2008 | الصراع العربي الإسرائيلي | مصادر أخري
روابط ذات صلة
16/11/2017
تأملات فى الأزمة اللبنانية  
09/11/2017
عشرة أيام مجيدة  
02/11/2017
الإعلام والحرب على الإرهاب  
26/10/2017
منتدى «الاتحاد» وأزمة النظام القطرى  
19/10/2017
تأملات فى معركة اليونسكو  
   
أتمت إسرائيل في منتصف هذا الشهر (مايو/أيار 2008) ستين عاماً من عمرها كمشروع استعماري استيطاني، راحت ضحيته مئات الآلاف من شعب مسالم، قُتلت أو شُردت بعيداً عن وطنها؛ لتصل إلى ملايين باتوا يمثلون واحدة من أعقد قضايا الصراع الذي امتد ليشمل العرب كلهم أو بعضهم عبر عقود طويلة. وما أحوجنا في هذه الذكرى الأليمة إلى استخلاص الدروس من هذا الصراع، لعلنا نفلح في إدارته على النحو الذي يحقق المصالح الفلسطينية والعربية في مرحلة تتميز بتطورات جذرية في العلاقات الدولية والإقليمية، وقد يكون من المناسب في هذا السياق التركيز على الرؤى الاستراتيجية والمهارات التكتيكية للحركة الصهيونية لاتصالها المباشر بتعزيز القدرة العربية على الإدارة السلمية للصراع.
ولابد من التسليم بداية بأن الحركة الصهيونية أظهرت قدرة فائقة على بلورة هدف استراتيجي واضح منذ نهاية القرن التاسع عشر، وهو إنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، وقد بدا هذا الهدف في حينه صعب المنال إن لم يكن مستحيلاً، لكنها عملت بدأب وفق تنظيم محكم ودون كلل؛ حتى تحقق بعد نصف قرن تقريباً من إعلانه بقيام دولة إسرائيل في مايو/آيار 1948، ولعل هذا يزودنا بأفكار مفيدة حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية والمدى الزمني لتحقيقها، فقد تعودنا نحن العرب، شعوباً وحكاماً، أن نتعجل تحقيق أهدافنا الاستراتيجية الكبرى دون تقدير سليم لمتطلبات تحقيقها فكانت النتيجة دائماً هي الإخفاق.
غير أن الحركة الصهيونية لم تتميز في رؤيتها الاستراتيجية فحسب، وإنما تمتعت بمهارات تكتيكية عالية، عكست فهماً سليماً لكيفية الانتقال من تحقيق أهداف جزئية على نحو لا يلحق ضرراً بالهدف الاستراتيجي إلى إنجاز هذا الهدف. فلم يكن وعد بلفور على سبيل المثال ينص على إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، لكن الحركة الصهيونية قبلته، وهي تعلم أن الوفاء بوعد الوطن سيعزز قدرتها على إنجاز هدف الدولة، ولم يكن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1947 بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وثانية عربية مع كيان دولي للقدس يفي بالغايات الاستراتيجية للحركة الصهيونية، لكنها قبلته بقدر ما أعطى دولة إسرائيل لاحقاً شرعية دولية، وكذلك لإدراكها أن دولة على نصف أرض فلسطين ستكون مقدمة لابتلاعها بالكامل، وهكذا.. في الوقت نفسه نجد أن الذهنية العربية لا تطيق فكرة التكتيك، فعندما قبل الرئيس جمال عبد الناصر مبادرة وزير الخارجية الأمريكي روجرز في يوليو 1970 لوقف إطلاق النار في حرب الاستنزاف، كي يوفر غطاءً آمناً لبناء النسق الأخير في منظومة الدفاع الجوي الصاروخي على ضفاف قناة السويس، اتهمته دوائر عربية رسمية وغير رسمية بالتفريط، وها هي ذي حماس تقبل جهود التهدئة مع إسرائيل، لكن المتحدثين باسمها يعلنون في الوقت نفسه أنها لن تكون سوى "استراحة محارب"، الأمر الذي يعطي إسرائيل الفرصة لكي ترفض التهدئة، إن أرادت، متذرعة بالموقف "المراوغ" لحماس.
يتصل بسلامة الرؤى الاستراتيجية للحركة الصهيونية أنها قدرت منذ بدايتها أنها سوف تعجز عن تحقيق أهدافها بغير سند واضح من القوى المهيمنة على النظام الدولي، ويقال إنها استخلصت لنفسها الدروس اللازمة من تجربة الممالك الاستعمارية في المشرق العربي التي تسترت تحت شعار الصليب، وكيف انتهت بعد أن عمرت لمدة تقارب المائة والثمانين عاماً، أي ثلاثة أعمار إسرائيل الآن، وتوصلت بالدراسة العملية إلى أن سبباً رئيسياً في تآكل تلك الممالك هو فقدانها الدعم الدولي، ولذلك فإن عين الحركة الصهيونية كانت تركز دوماً وحتى الآن على القوى المهيمنة في النظام الدولي فترتبط بها، مستشرفة تغير هذه القوى من مرحلة لأخرى كي تبدأ في الوقت المناسب مد جسورها مع القوى الدولية البازغة في كل مرحلة.
هكذا ارتبطت إسرائيل بعجلة السياسة البريطانية أولاً، فحصلت منها على وعد الوطن وفتح أبواب فلسطين على مصاريعها للهجرة اليهودية التي أقامت البنية التحتية لدولة إسرائيل قبل إعلانها، وتواطؤ لحظة الميلاد حين انسحبت القوات البريطانية من فلسطين في سابقة غير مألوفة كي تمهد الطريق لإعلان الدولة اليهودية، وانتقلت لاحقاً إلى الحماية الأمريكية التي وفرت لها السلاح والدعم الاقتصادي والتأييد السياسي على نحو شبه مطلق، ونجحت حالياً في مد جسور العلاقات مع قوى دولية بازغة كانت أقرب ما يمكن إلى مصالحنا كالصين والهند.

الأكثر من هذا أن إسرائيل لم تسمح لنفسها قط بأن تتمتع برفاهية الخلاف مع دولة عظمى أو كبرى، حتى ولو تبنت هذه الدولة مواقف معادية لها، ويظهر مثال العلاقات الإسرائيلية-السوفيتية هذه الحقيقة على أوضح نحو ممكن، فمن المعروف أن الاتحاد السوفيتي السابق لم يكن يؤيد المشروع الصهيوني في فلسطين حتى قبل التطور الإيجابي الذي لحق بعلاقاته بالعرب، ذلك لأن هذا المشروع كان يمس الشرعية السوفيتية القائمة على مبدأ وحدة الطبقة العاملة، فيما تقوم الحركة الصهيونية على تجميع اليهود في أرض واحدة، ولأن الاتحاد السوفيتي كان يضم قطاعاً مهماً من اليهود، فقد بدا حساساً للغاية من نجاح مشروع الدولة الصهيونية التي يمكن أن تجتذب يهوده وتمس من ثم شرعيته، وعليه ظل الموقف السوفيتي من المشكلة الفلسطينية حتى قبيل صدور قرار التقسيم قائماً على فكرة الدولة الواحدة التي تضم جميع سكان فلسطين، غير أن الأصابع الصهيونية لم تهدأ حتى وصلت إلى المركز الحساس لصنع القرار في موسكو، واستطاعت أن تقنع القيادة السوفيتية بأنه من الخير لها أن تؤيد نشأة دولة "تقدمية متحررة" على جزء من أرض فلسطين بدلاً من أن تؤيد دولة واحدة ينتهي بها المآل إلى أن تكون على شاكلة النظم العربية الإقطاعية التابعة للاستعمار، وهكذا وافق الاتحاد السوفيتي والمجموعة الاشتراكية آنذاك على قرار التقسيم، ولولا ذلك لما حصل القرار على الأغلبية المطلوبة. ولم تسمح إسرائيل لنفسها لاحقاً بأن تقع في شرك الهجوم على الاتحاد السوفيتي عندما بدا أنه منحاز كلية للعرب، فيما سمحت دول عربية كثيرة لنفسها بذلك كلما حدث خلاف بينها وبين الاتحاد السوفيتي.
لا يعني ذلك أن الرؤى الاستراتيجية الإسرائيلية لا تعاني من أية قصور، والواقع أن القصور الأساسي فيها يرجع إلى الطبيعة الاستعمارية لدولة إسرائيل، مثلها في ذلك مثل كافة التجارب الاستعمارية التي سبقتها، فعادة ما تخفق السياسات الاستعمارية في أن تدرك أن مشروعها الاستعماري لابد أن يولد رد فعل يتمثل في المقاومة الوطنية، وعادة ما تخفق أيضاً في أن تفهم أن الخلل الفادح في ميزان القوى بينها وبين هذه المقاومة لا يعني أن النصر عليها سوف يكون ممكناً؛ لأن حركات المقاومة تدافع عادة عن قضية وجود، وتتبع أساليب في الصراع تقلل، إن لم تحيّد، فارق القوة بينها وبين القوى الاستعمارية، ولا تكون مهمتها هي هزيمة المستعمر عسكرياً، وإنما إلحاق قدر من الضرر بمصالحه يدفعه إلى تغيير سياساته. هكذا هُزمت الولايات المتحدة في فيتنام، وفرنسا في الجزائر، وبريطانيا في جنوب اليمن في ستينيات القرن الماضي، ولا توجد حالة استعمارية واحدة في التاريخ المعاصر استطاعت أن تفلت من هذا المصير. وللأسف فإن الانقسام الفلسطيني الحالي يؤخر من فعل هذا القانون التاريخي الذي لم يعرف الاستثناء حتى الآن، فهل يمكننا في هذه المناسبة الأليمة أن نستخلص الدروس وأن نعرف الوجهة الصحيحة لما يتعين علينا عمله؟

أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
تأملات فى الأزمة اللبنانية
16/11/2017  
عشرة أيام مجيدة
09/11/2017  
المزيد
الإتحاد
التفاهم الروسي- الأميركي حول سوريا
14/11/2017  
مئة عام على وعد بلفور
07/11/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد