أضف للمفضلة
بحث متقدم 
مأزق التهدئة
08/05/2008 | الصراع العربي الإسرائيلي | مصادر أخري
روابط ذات صلة
16/11/2017
تأملات فى الأزمة اللبنانية  
09/11/2017
عشرة أيام مجيدة  
02/11/2017
الإعلام والحرب على الإرهاب  
26/10/2017
منتدى «الاتحاد» وأزمة النظام القطرى  
19/10/2017
تأملات فى معركة اليونسكو  
   
لا شيء يكشف عن التطورات الجذرية التي مر بها الصراع العربي-الإسرائيلي منذ إنشاء دولة إسرائيل في 1948 أكثر من الجهود الراهنة للتوصل إلى تهدئة فلسطينية-إسرائيلية. في البدء كان حديث العرب عن "حل" الصراع باعتباره مسألة استعمارية، لابد أن تنتهي كما انتهى غيرها بتصفية الاستعمار، أي بالقضاء على "الكيان الصهيوني"، سواء كان هذا القضاء مادياً كما نطقت بذلك قمة القاهرة عام 1964 للمرة الأولى والأخيرة، أو معنوياً كما في تصفية النظام العنصري في جنوب أفريقيا، وفق ما ذهبت إليه على نحو غير مباشر قمتا الإسكندرية عام 1964 والدار البيضاء عام 1965، حين طالبتا بالاستعادة الكاملة لحقوق الشعب الفلسطيني.
ومع الهزيمة العربية في 1967، والتي أشارت إلى إخفاق العرب في فرض حلّ عادل من وجهة نظرهم للصراع مع إسرائيل، بدأ الحديث عن التسوية، وعن قبولهم على نحو تدريجي، وإن يكن أكيداً، فكرة الدولتين: دولة إسرائيلية في حدود ما قبل العدوان، وأخرى فلسطينية فيما تبقى من أرض فلسطين قبل ذلك العدوان، أي في الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن السبب نفسه، الذي وقف وراء الإخفاق العربي في فرض الحل العادل من وجهة نظرهم على إسرائيل، تكفّل بتعويق جهود التسوية أيضاً لمدة تجاوزت الأربعين سنة، وهو الخلل في ميزان القوى العربي-الإسرائيلي لصالح إسرائيل، على نحو يجعل الطرف الذي يجب أن يقدم تنازلات حتى تتم تسوية هو الطرف الأقوى، فلماذا إذن يقدم أي تنازل؟
في هذا الإطار يطل خيار التهدئة برأسه من حين لآخر، وكانت آخر إطلالة له في عام 2005 حين تم التوصل إلى تهدئة فلسطينية-إسرائيلية لم تعمر طويلاً؛ لتكون خير شاهد على تعقد الصراع إلى الحد الذي لا يصعب معه الحل أو التسوية فحسب، وإنما يصبح "التجميد" على تواضعه هدفاً طموحاً تواجه جهود التوصل إليه مآزق عديدة. وهو ما يظهر في جهود التهدئة الراهنة التي يخشى المهتمون بها احتمال فشلها، وفي الوقت نفسه تظهر الخبرة الماضية والمعطيات الراهنة للصراع أن نجاح التهدئة والوصول إلى وضع يمهد المناخ لإنجاز تسوية هو من رابع المستحيلات.
يتمثل المأزق ببساطة في أن كافة أطراف الصراع تبدو مرتبكة؛ لأن التهدئة قد تحقق لها عوائد إيجابية، لكن أضراراً واضحة تترتب عليها في الوقت نفسه. ينسحب هذا الحكم على الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والمصرية (وسيط التهدئة) والأمريكية.
أما الطرف الفلسطيني فيتبدى مأزقه في أن بؤرة جهود التهدئة فيه تنصب على حماس، وواضح أنها راغبة في التهدئة على الأقل كمدخل لرفع الحصار عن غزة أو في الحد الأدنى تخفيفه، و"كاستراحة محارب" بلغة أحد قياداتها. هذه المكاسب سوف يقلل منها، دون شك، أن مشروعها السياسي القائم أساساً على برنامج مقاوم سوف يكون مهدداً بدرجة ما من درجات التآكل، ولاسيما أن حماس ليست نسيجاً واحداً بالتأكيد، ففيها المتشددون والمعتدلون، سواء بني هذا التقسيم على أسس فكرية أو جيلية، ويعني هذا أن حماس قد تكسب عوائد التهدئة لتخسر على الأقل قدراً من تماسكها الداخلي وتميزها عن حركة فتح على سبيل المثال.
على الصعيد الإسرائيلي تبدو إسرائيل بدورها في حاجة إلى التهدئة تخلصاً من الصداع الذي تسببه لها المقاومة الفلسطينية، والذي نجم عن رشقات الصواريخ التي تحظى بدرجة عالية من السخرية من خصوم المقاومة، لكنها دون شك تظهر القوة الإسرائيلية بمظهر العاجز عن مواجهة تحدٍ أمني يسير كهذا التحدي، فضلاً عن أن ما تسببه من أضرار رمزية يمس بالتأكيد هيبتها كدولة تبني شرعيتها على القوة والردع، ناهيك عن العمليات النوعية التي نجحت المقاومة الفلسطينية غير مرة في تنفيذها بما أثبت قدرتها على حسن التخطيط والتنفيذ، وذلك في الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل وضعاً إقليمياً قلقاً بسبب العامل الإيراني وتأثيره على الوضع في لبنان.
لكن قبول إسرائيل التهدئة من ناحية أخرى يعطي حماس، شاءت إسرائيل أم أبت، شرعية سياسية ما، فهي إذن ليست حركة إرهابية، وإنما قوة سياسية مؤثرة أو فصيل مقاوم فعال إلى الحد الذي يستوجب التوصل إلى تفاهم معه، بالإضافة إلى أن مثل هذا التفاهم قد يضعف الرئيس الفلسطيني حليف إسرائيل في جهود التسوية، وإن كانت، وللأمانة، هي التي أضعفته بسبب إصرارها على عدم المبادرة بأي تنازل ذي بال له، على الرغم من كل ما أبداه من نوايا حسنة. ومن ناحية ثالثة تفهم إسرائيل جيداً أن حماس ستستغل التهدئة لإعادة بناء صفوفها بعد حرب الاستنزاف الإسرائيلية التي أرهقتها كثيراً، وهو معنى لم يفت حماس أن تؤكده، في تكتيك ينم عن عدم حنكة سياسية، عندما صرح بعض مسؤوليها دفاعاً عن انخراطهم في جهود التهدئة بأنها "استراحة محارب"، لذلك يمكن للمرء أن يفهم تلك التصريحات التي خرجت من مسؤولين إسرائيليين أمنيين وعسكريين ذوي وزن، تحدثوا فيها عن الردع والمواجهة وتكسير العظام، وليس التهدئة، نهجاً للتعامل مع حماس.
تبدو السياسة المصرية بدورها في مأزق، على الأقل لأنها من ناحية صاحبة مصلحة في التهدئة تجنباً لأي انفجار على حدودها مع قطاع غزة، قد يفضي إلى مواجهة محرجة بكل المعايير مع الفلسطينيين، ورفعاً للمسؤولية الأخلاقية والإنسانية عن عدم فتح معبر رفح على الرغم من فداحة الكارثة الإنسانية في غزة. ومع ذلك فإن مآل جهود التهدئة، أياً كان، يفضي إلى مشكلات للسياسة المصرية؛ ذلك أن إخفاق هذه الجهود التي تقودها مصر يعني أنها ستكون مطالبة باتخاذ موقف على الأقل تجاه فتح معبر رفح لتزويد أهل غزة بالحد الأدنى من متطلبات الحياة، وهو الأمر الذي قد تتحرج منه السياسة المصرية كثيراً باعتباره عملاً لا يتسق وأحكام اتفاق المعابر، وسوف يؤدي إلى إغضاب الإسرائيليين والأمريكيين بالتأكيد. غير أن المفارقة تتمثل في أن نجاح جهود التهدئة سوف يعني أن حماس طرف عاقل يمكن التعامل معه على نحو رشيد، وهو ما سوف يثير علامات استفهام بالنسبة لنهج تعامل السياسة المصرية في الداخل مع التنظيم الأم لحماس، وهو حركة الإخوان المسلمين في مصر.
حتى الإدارة الأمريكية تبدو بدورها في مأزق؛ فهي لا تستطيع الاعتراض على جهود التهدئة، بل إن ثمة مؤشرات على أنها تحظى بموافقة مبدئية منها، لأن الوقت يمضي بسرعة باتجاه نهاية ولاية الرئيس الأمريكي الحالي صاحب الوعد الشهير بأن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين قبل نهاية عام 2008، وهو وعد يعلم الملمون بحقائق الصراع العربي-الإسرائيلي أنه مستحيل التنفيذ، غير أن بوش يأمل دون شك في أن يسود مناخ من الهدوء يمكنه لاحقاً من التوصل إلى أية صياغة عامة قبل نهاية 2008 تجعل الادعاء ممكناً بأن إنجازاً ما قد تم. لكن نجاح جهود التهدئة يعني على نحو أو آخر أن حماس أصبحت بموافقة أمريكية ضمنية شريكاً في المباراة السياسية حول مستقبل الصراع وليست طرفاً لابد من عزله.
يعني ما سبق أن مشروع التهدئة يسير في حقول ألغام، أي إنه قابل للانفجار في أية لحظة، والأخطر من ذلك أن نجاحه سوف يضع الأطراف كافة للمرة الألف أمام بديهيات الصراع؛ لأن تحريكه باتجاه التسوية يتطلب تغييراً في ميزان القوى، الأمر الذي لا يتسق ومنطق التهدئة، وهو ما يشكك في سلامة نهج التهدئة أصلاً.

أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
تأملات فى الأزمة اللبنانية
16/11/2017  
عشرة أيام مجيدة
09/11/2017  
المزيد
الإتحاد
التفاهم الروسي- الأميركي حول سوريا
14/11/2017  
مئة عام على وعد بلفور
07/11/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد