أضف للمفضلة
بحث متقدم 
رمال شارون المتحركة
21/06/2004 | الصراع العربي الإسرائيلي | الإتحاد
روابط ذات صلة
21/03/2017
قراءة في الانتخابات الهولندية  
14/03/2017
عباس في البيت الأبيض  
07/03/2017
«جنيف 4» ورحلة الألف ميل  
28/02/2017
تحديات القمة العربية القادمة  
21/02/2017
فلسطين والسياسة الأميركية المرتبكة  
   

منذ وصل شارون إلى سدة الحكم في إسرائيل لأول مرة في عام 2001، ذهب معظم المتخصصين في إسرائيل وصراعها مع العرب إلى أن مجرم حرب مثله وحزباً كالذي ينتمي إليه وائتلافاًً كالذي يقوده لا يمكن أن يصنعوا سلاماً، ناهيك عن أن المجتمع الإسرائيلي برمته ما يزال يراوح بين حلم السلام مع العرب ووهم فرض الهيمنة عليهم. وكان من شأن هذا الاستنتاج العلمي المبكر أن يشكل إطاراً لرؤية استراتيجية عربية، تحكم التعامل مع شارون والضغوط الأميركية التي تدفع باتجاه التعاون معه، وطُرح منذ ذلك الوقت أن الاستراتيجية المُثلى لهذا التعامل هي مقاطعة السفه الذي يطرحه شارون من حين لآخر، باعتباره جهداً مخلصاً للتسوية طالما أن ذلك السفه لا يمكن له أن يقترب من الحد الأدنى الممكن تصوره للمطالب الفلسطينية، والتمسك بأن الشرط العربي الوحيد للتعامل معه هو أن يقدم عرضاً جاداً للتسوية يستجيب لذلك الحد الأدنى على الأقل.
لكن السياسات العملية كثيراً ما تكون لها حساباتها المختلفة التي استفادت من حجج معدة سلفاً ترى أن المقاطعة سلوك غير حضاري، وأن الحوار مطلوب أبداً بغض النظر عن أي شيء، وأنه بات اللغة الوحيدة التي يمكن فهمها في هذا العصر مع أن الآخر لم يعد يحاورنا تقريباً إلا بالقوة، وهكذا راح عدد من النظم العربية يتفاعل مع أي تحرك لشارون مهما بلغ من عدم الجدية مبلغاً، وارتبط بإعمال مفرط ووحشي للقوة إزاء شعب فلسطين، وفي كل مرة عجزت "التفاعلات" مع حكومة شارون عن أن تحقق خطوة واحدة إلى الأمام في عملية التسوية دون أن يتعلم أحد شيئاً من دروس تلك "التفاعلات" يطبقه على تحركاته التالية، وهكذا أخذت دوائر الفعل الإسرائيلي تتوالى وردود الأفعال العربية تلهث وراءها دون أن يفكر أحد في لحظة للمراجعة.
ثم خرج علينا شارون بمبادرة الانسحاب من طرف واحد من غزة، وبدا الأمر مستحقاً لوقفة فهم وتأمل، لأن خبرة حركات التحرر الوطني المعاصرة تفيدنا بضرورة التوقف من حين لآخر لدراسة ما يطرأ من تغير على سلوك المستعمِر (بكسر الميم) لعل وطأة عمليات المقاومة الوطنية المضادة لوجوده تكون قد بدأت تؤتي أكلها، ويظهر إمعان النظر في التغير الذي طرأ على سلوك شارون أنه اضطر إلى مبادرته لعجزه الفادح - ومن قَبْله أسلافه- عن القضاء على المقاومة، والصمود الأسطوريين لأهل غزة حتى باتت تسبب منذ زمن صداعاً مزمناً في الرأس الإسرائيلي. لكن ثمة ملاحظتين ضروريتين على هذا التغير، أولاهما أنه من الواضح أن الإحساس بقوة مبرراته ليس بعد مسألة إجماع في إسرائيل، بل هو ليس كذلك داخل مجلس وزراء شارون نفسه، وثانيتهما أن الأخير -كأي قيادة إسرائيلية تعامل العرب معها- شاء أن يعطي مبادرته طابعاً تكتيكياً، بمعنى أن يعمل لسياسته كأنه تارك غزة غداً، فإذا استمرت وتيرة التصاعد المقلق في المقاومة الفلسطينية أصبحت مبررات تحركه واضحة للجميع حائزة على موافقتهم وأسرع بالخروج، وإن نجح في أن يشق الصف الفلسطيني والعربي، ويهدئ من ثم من حدة المقاومة ووطأتها عليه استطاع بذلك أن يعطي مبادرته مذاقاً آخر من خلال شيطان التفاصيل: ماذا نترك وماذا نبقي؟ متى ننسحب؟ ما هي الضمانات المطلوبة؟...الخ.
لم ينجح شارون بصفة عامة في شق الصف الفلسطيني حتى الآن، لكن الوضع اختلف في السياق العربي، فقد وجد شارون من هم على استعداد للتعاون معه في تنفيذ مبادرته. كان منطق من انتهوا إلى قرار التعاون مع شارون هو أن أي انسحاب إسرائيلي من أية أراض محتلة خير، ولذلك لابد من تشجيعه على المضي قدماً فيه، وهو منطق يحتاج إلى وقفة لمناقشته لأنه ليس من السهولة بمكان القطع بخطئه أو صوابه.
والواقع أن كافة خبرات الانسحاب الإسرائيلي من أراض عربية دون استثناء قد تمت بعد إعمالٍ للقوة العربية ضد إسرائيل: الانسحاب من سيناء بعد احتلالها في 1967- الانسحاب من لبنان بعد غزوها في 1982- الانسحاب من الشريط الحدودي في الجنوب اللبناني الذي بقي محتلاً منذ 1978. في الحالة الأولى كانت حرب أكتوبر 1973 ومن قبلها حرب الاستنزاف، وفي الحالتين الأخريين تكفلت المقاومة الشعبية للاحتلال بالمهمة، وإذا كانت لغة القوة وحدها قد تحدثت في الحالة اللبنانية -بمعنى أن المحتل قد أُجبر على الخروج من الأراضي التي يحتلها دون مفاوضات- فإن الدبلوماسية ساندت القوة في الحالة المصرية، بمعنى أن حرب أكتوبر 1973 قد حررت جزءاً من الأرض، وتكفلت الدبلوماسية بالباقي وفق معادلة قدمت فيها الدبلوماسية المصرية تنازلات أمنية وسياسية مقابل التنازل الإسرائيلي الاستراتيجي المتمثل في إخلاء سيناء بالكامل.
يعني ما سبق أن الافتراض قائم بأنه إذا كانت المقاومة في غزة قد أجبرت شارون على أخذ فكرة الانسحاب منها على محمل الجد فإن تطوير هذا الإنجاز بالدبلوماسية ممكن، غير أن لهذا شروطه بطبيعة الحال، فلا يمكن أولاً على الصعيد السياسي أن يُقبل منطق إخلاء إسرائيل لغزة من أجل التفرغ لاستكمال استعمار الضفة، أو قبول التعاون معها في الوقت الذي تستمر فيه أعمالها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني، فلم تتم المفاوضات المصرية-الإسرائيلية في أي وقت من الأوقات في ظل ظروف مشابهة، ولا يمكن ثانياً الإسراع بالإعراب عن الاستعداد للتعاون مع إسرائيل في تنفيذ مبادرة ما زالت غامضة المعالم من حيث نطاقها وخطوات تنفيذها، وزادها قرار مجلس وزراء شارون غموضاً بموافقته المشروطة عليها بحيث يعود الأمر في كل خطوة جديدة في عملية التنفيذ للمجلس كي يرى رأيه، خاصةً وأنه لا يمكن لنا ثالثاً أن ننسى عدم التزام إسرائيل كدولة بتعهداتها القانونية، وإلا فأين التزامها باتفاقية أوسلو 1993 التي كان من شأن تطبيقها أن يُفضي منذ مدة إلى حكم ذاتي كامل لمعظم أراضي الضفة الغربية والقطاع بافتراض إخفاق مفاوضات الوضع النهائي بينما نحن نتحرك الآن في المربع رقم صفر الذي سبق التوصل لأوسلو أو قريباً منه للغاية، ومعنى هذا أن من يقرر التعاون مع شارون سوف يجد نفسه بعد حين –إن لم يكن منذ البداية- غارقاً في دوامات مراوغاته وتراجعاته وانتهاكاته لالتزاماته إن لم يكن بتخطيطٍ منه فبفرضٍ من البيئة المحيطة به في مجلس وزرائه وحزبه وتيار اليمين الإسرائيلي دونما موقفٍ حاسمٍ من الرأي العام الإسرائيلي، ولا يمكن لنا رابعاً أن نورط أنفسنا في التعاون في تحقيق الأمن في غزة بعد انسحاب إسرائيل منها –إن تم- قبل أن تتوافق القوى الفلسطينية على صيغة سياسية جديدة. ذلك أن أوضاع ما بعد أوسلو 1993 التي أفرزت الصيغة الحالية للسلطة الفلسطينية لم تعد هي الأوضاع الراهنة التي شهدت نمواً ملحوظاً لقوى المقاومة واستئثارها بنصيب هام من تأييد الشارع الفلسطيني، ولابد من استكمال الحوار السياسي من أجل صيغة سياسية جديدة تتجاوز الصيغة الحالية، وإلا فإن أي حديث عن تحقيق الأمن في القطاع بتدريب مزيد من قوات الشرطة الفلسطينية أو إدخال إصلاحات جذرية على تبعيتها السياسية سوف يكون حديثاً بلا أي معنى مفيد طالما أن معناه الوحيد سوف يكون صداماً مؤكداً بين قوات تنفذ رؤية سياسية معينة وبين قوى سياسية وطنية لها ثقلها في الشارع الفلسطيني لا تقتنع بهذه الرؤية.
من الضروري والأمر كذلك أن ينصرف الجهد الفلسطيني والعربي لا إلى التعاون مع شارون في تنفيذ مبادرته وإنما إلى حث الحوار الفلسطيني الديمقراطي من أجل التوصل إلى صيغة سياسية جديدة سوف تكون لها آثارها الإيجابية سواء فيما يتعلق باستمرار المقاومة وصمودها وسلامة توجهاتها، وهي الورقة الوحيدة الباقية في يد الفلسطينيين، أو فيما يتعلق بالحفاظ على الأمن في حال تحقق الانسحاب الإسرائيلي من غزة بفضل المقاومة وفعلها. أما خيار التحرك بالقرب من رمال شارون المتحركة فهو خيار لا يحتاج المرء إلى أن ينبه إلى مآله وتداعياته.      

أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
مند ما يزيد عن 60 سنة وهدا الشعب المناظل من اجل حريته ينطلق من حلم الى حلم وعينه لم تتزحزح قط عن هدفه وهو تحرير الوطن كل الوطن..فجاء عهد التنازلات تلو التنازلات حتى لم يعد الشعب يحلم بل هاربا من نوم لا يجلب الا الكوابيس ليستفيق عن مرارة الواقعوصولا لاخطر كابوس هو الصراع عن سلطة منعدمة اصلا.اعلان الانتخابات في هدا الوقت بالضبط ليست الا بداية لحرب اهلية لن تفلت احدا لاكن الضحية الاول هو هدا الشعب المغلوب على امره.تمنينا حلما جميلا ان نصبح على خبر هلاك العملاء جملة واحدة . أحمد محمد حسنين heba
09/12/2009
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
الكارت الذهبى
16/03/2017  
تجديد الخطاب الدينى
09/03/2017  
المزيد
الإتحاد
قراءة في الانتخابات الهولندية
21/03/2017  
عباس في البيت الأبيض
14/03/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد