أضف للمفضلة
بحث متقدم 
مأزق السياسة العربية بعد جلسة مجلس الأمن
25/09/2006 | الصراع العربي الإسرائيلي | الإتحاد
روابط ذات صلة
19/09/2017
«الدولة الشريفة»!  
12/09/2017
النظام القطري والأزمة الممتدة  
05/09/2017
الأزمة القطرية والانتهازية الدولية!  
29/08/2017
عودة السفير!  
22/08/2017
وسيط الخير  
   

اعتقدت أن جلسةً -وربما أكثر- سوف تنعقد بعد تمهيد مكثف وجهود مضنية، يطرح العرب في إطارها قضيتهم باقتدار وجسارة، ويواجهون بحججهم الخصوم فتنشب معركة دبلوماسية وتظهر مشروعات قرارات يحتدم الجدل حولها، إلى أن نصل إلى بلورة نهائية لقرار عام هزيل على نحو يمكن أن يحظى بإجماع دولي، فإن لم يكن بالدرجة الواجبة من العمومية والهزال وافق عليه أربعة عشر عضواً من المجلس، ليصطدم بحق الاعتراض الأميركي، فيتحدث العرب بـ"أدب" عن المسؤولية الأميركية في تقويض السلام... لكن شيئاً من هذا لم يحدث أبداً، فالأمر أشبه بلجنة توظيف يقف على بابها متقدم أخير للوظيفة تضطر لرؤيته والاستماع إليه، مع أنها تعلم النتيجة سلفاً وأن غيره قد اختير للوظيفة، ولذلك فهي – أي اللجنة- قد تحرص على الشكل على مضض -وإن يكن بأدب مُصطنع- ولكنها تحرص أكثر على إنهاء المهمة في أسرع وقت ممكن.

أبدت واشنطن تحفظها منذ البداية على عقد هذا الاجتماع، متخوفة من أن يتحول إلى منبر لمهاجمة إسرائيل، غير أنها وافقت أخيراً على عقده بعدما عملت على وضع إطار محدد له ليكون عدد المتحدثين فيه محدوداً. اعتبر رئيس الدورة الحالية لمجلس وزراء جامعة الدول العربية في كلمته أمام المجلس، الجلسة "تاريخية" وسابقة مهمة في مجمل النزاع العربي- الإسرائيلي لمجرد أن المجلس قد انعقد على المستوى الوزاري وبمبادرة عربية، وقد تكون سابقة فعلاً بل قد تكون مهمة أيضاً بقدر ما أثبتت أن العبرة ليست بالدعوة أو الانعقاد وإنما بالنتائج، وإن كانت دروس الخبرة الماضية مع المجلس قد زودتنا سلفاً بهذه النتيجة. طالب رئيس الدورة العربي ببدء مفاوضات بين الأطراف بناء على الاتفاقات المعقودة، بموجب جدول زمني محدد وبمساعدة المجموعة الدولية وإشراف مجلس الأمن، مع أن إسرائيل هي أول من انتهك الاتفاقات المعقودة (ناتانياهو وأوسلو في عام 1996)، كما أنها لم تحترم الجداول الزمنية (فلا وصلنا إلى الوضع النهائي بعد خمس سنوات من توقيع أوسلو ولا قامت الدولة الفلسطينية عام 2005 كما تنص خريطة الطريق). وحذر رئيس الدورة العربي من أن هذه الفرصة إن ضاعت فسنكون خاسرين، وهو على حق في ذلك دون شك، لكننا قد نختلف معه في القول بأن أمامنا فرصة جيدة الآن لتحقيق السلام، فلا إسرائيل بعد هزيمتها - أو على الأقل عثرتها- في لبنان مستعدة لتنازلات حقيقية، ولا الإدارة الأميركية مستعدة لمخالفة السياسة الإسرائيلية، ولا المجتمع الدولي مُستعد لتحديهما معاً، وهكذا فالفرصة موجودة في مخيلتنا نحن فقط. ولم تخيب وزيرة الخارجية الأميركية - مؤيدة بطبيعة الحال بنظيرتها البريطانية- ظننا حين نصحت بمساندة جهود اللجنة الرباعية، ودعت السلطة الفلسطينية إلى الالتزام بنبذ الإرهاب والعنف والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود وقبول الاتفاقات والتعهدات السابقة، مع أن إسرائيل تحديداً هي الأولى بهذه الدعوة، فهي تمارس الإرهاب المنظم والعنف الدامي يومياً في الأراضي الفلسطينية، وهي التي تنكرت لاتفاقات أوسلو منذ عقد من الزمان دون أن يفتح أحد فمه، ناهيك عن أنها لا تعترف بحق "فلسطين" في الوجود.

شاركت إسرائيل في الاجتماع بمندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، وليس بوزيرة خارجيتها كسلوك رمزي تؤكد فيه عدم انصياعها للرغبة العربية، وحرص المتحدث الإسرائيلي على أن يؤكد الغياب التام للثقة الإسرائيلية في الفائدة من عقد مثل هذه المنتديات كما تدل على ذلك التجارب الماضية لدرجة أنه لم يكن متأكداً من حضوره حتى اللحظة الأخيرة، وقد كان على حق في وصف مجلس الأمن من جانب دولته كمجرد منتدى، وأشار إلى أن ثمة أموراً كثيرة ينبغي القيام بها "لكن ليس بشكل مبادرات واجتماعات"، ولعله يقصد بذلك أعمال القتل والتشريد بل والسرقة التي يقوم بها جيشه يومياً في أراضي فلسطين، في محاولة يائسة لتركيع شعبها وإخضاعه نهائياً.

تتابعت بعد ذلك كلمات خشبية تساوي بين القاتل والمقتول، وإن لم تخلُ من أمور ذات دلالة أو إشارات إيجابية، كإدراك وزير الخارجية الروسي لقصور جلسة كهذه عن أن تمثل دفعة في مهمة البحث عن السلام، أو مطالبته بإدخال سوريا في دائرة الاهتمام التفاوضية، أو دعم وزير الخارجية الفرنسي للمبادرة العربية. غير أن المفاجأة الصاعقة التي أعترف بأنني لم أتوقعها هي أن الجلسة انتهت على هذا النحو، وهكذا فلا مشروع قرار يُتصارع حوله فيسقط أو يعدل بحيث يصبح بلا معنى، ولا حتى بيان رئاسي يشير إلى أن المجلس مهتم بالتوصل إلى تسوية سلمية للصراع في الشرق الأوسط، وقيل إن المعارضة الأميركية هي السبب في هذا.

لا شك أن السياسة العربية قد أصبحت في مأزق بعد هذه الجلسة الخاطفة ونتائجها، فقد بدا من قرار المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في أغسطس الماضي، وكأن طلب انعقاد المجلس يمثل بداية لمرحلة جديدة في عملية التسوية بعد أن ماتت وسلمت لإسرائيل، والآن وبعد أن انعقد المجلس لساعات قليلة لم تنتهِ إلى أي شيء، فإن الكرة تعود إلى الملعب العربي، وليس واضحاً أن الجانب العربي كان يضع هذا الاحتمال في حسبانه، لأنه لو كان الأمر كذلك لاحتوت "الاستراتيجية" العربية الجديدة على شق يتعلق بـ"ماذا بعد؟". بمعنى أن مجلس الأمن سوف يظهر إفلاسه ومن ثم يتعين علينا أن نتخذ خطوة تالية، لكننا بتنا نواجه الآن موقفاً وصفنا فيه بأنفسنا عملية السلام بأنها ماتت وسلمت لإسرائيل، ولجأنا لمجلس الأمن لكي يبعث فيها الحياة فلم يعرْ الأمر أدنى التفات.

لا مفر إذن إن كنا مهتمين حقاً بدفع عملية التسوية من بدء عملية مراجعة سياسية واستراتيجية واسعة النطاق تتعلق بـ"الخيار الوحيد" ونتائجه، وإذا كان العرب الرسميون بظروفهم الحالية مضطرين إلى البقاء في ظل هذا "الخيار الوحيد"، فكيف يمكن أن نصل إلى حكومة وحدة وطنية فلسطينية حقيقية لا تسخر لمتطلبات المجتمع الدولي المنحاز لإسرائيل، وإنما تكون قادرة على تدشين برنامج تحرر وطني فلسطيني يحسِّن الوضع الفلسطيني في الصراع الحالي؟ وكيف يمكن بلورة موقف سياسي عربي مساند لهذا البرنامج، يكون أكثر وضوحاً وأشد تأثيراً؟ يجب أن تفهم الأطراف العربية الرسمية أن ما تحذر منه في المحافل الدولية - وإن على استحياء- حقيقي وليس لمجرد الضغط على هذه القوة أو تلك كي تعدل مواقفها إزاء صراعنا مع إسرائيل، فمن المؤكد أن سحب اليأس تتجمع في هذه الآونة حول كافة القوى المغبونة في الوضع الراهن، وإن هذه السحب، في لحظة معينة، ستهطل أمطارها وتحدث من الآثار ما يمكننا ولا يمكننا توقعه، وسوف يمس بعض هذه الآثار بالتأكيد النظام العربي الرسمي، فهل تتحرك دوائره من باب حماية الذات إن لم يكن من باب الحفاظ على حقوق الأمة؟!

أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
مجانية التعليم
21/09/2017  
نحو حوار مجتمعى حول تطوير التعليم
14/09/2017  
المزيد
الإتحاد
«الدولة الشريفة»!
19/09/2017  
النظام القطري والأزمة الممتدة
12/09/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد