أضف للمفضلة
بحث متقدم 
لعبة الأمم(٢/٢)
28/03/2022 | أخري | مصادر أخري
روابط ذات صلة
19/05/2022
الثابت والمتغير في العلاقات الروسية-الإسرائيلية(٢/٢)  
12/05/2022
الثابت والمتغير في العلاقات الروسية-الإسرائيلية(٢/١)  
05/05/2022
ملاحظات على الدراما الرمضانية  
14/04/2022
لمن تدق الأجراس في فلسطين؟  
28/03/2022
لعبة الأمم(٢/٢)  
   
   أوضحت المقالة السابقة أن الفهم الشائع لمفهوم "لعبة الأمم" يعني أن السلوك المعلن لفاعل دولي ما قد لا يعبر بالضرورة عن المضمون الحقيقي لسلوكه إذ يمكن أن يُقْدِم في الخفاء على سلوك مغاير تماماً تحقيقاً لمصلحة يصعب الدفاع عنها علناً لعدم مشروعيتها أو لا أخلاقيتها أو تعارضها مع مصالح حلفاء لهذا الفاعل، وفي هذا السياق أتت فكرة "الاستدراج" في إدارة الصراعات، بمعنى أن تستدرج خصمك بسلوكٍ قد ينطوي على إغراءات إلى القيام بعمل يضعه في موقف يمكنك من تسديد ضربات له وتحقيق أهدافك تجاهه، فهل يمكننا تطبيق هذا النوع من التحليل على السلوك الروسي الراهن تجاه أوكرانيا؟ وبعبارة أخرى هل استدرج الرئيس بوتين إلى عمليته العسكرية فيها ليسهل استنزافه أو حتى هزيمته؟
   يرى أنصار منطق الاستدراج أن ما يجري الآن في أوكرانيا لا علاقة له بها، فالظاهر أن الولايات المتحدة على رأس التحالف الغربي تريد استكمال تطويق روسيا بحلف الأطلنطي بضم أوكرانيا وجورجيا إليه بعد أن ضمت كافة أعضاء "حلف وارسو" السابقين بل وثلاث من جمهوريات الاتحاد السوڤيتي السابق (لاتفيا-ليتوانيا-استونيا)، وهو الأمر الذي استفز الرئيس الروسي كثيراً حتى أقدم على عمليته العسكرية الراهنة، غير أن حقيقة الأمر لدى أنصار "الاستدراج" تعود إلى خط أنابيب نوردستريم٢ لنقل الغاز الروسي لألمانيا ومنها لأوربا والذي اكتمل بناؤه وكاد أن يُفتتح، وكان من شأن تشغيله أن يزيد من حالة "الاعتماد المتبادل" بين ألمانيا وروسيا من ناحية وأوربا وروسيا من ناحية أخرى، وهو ما تراه الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها وأولوياتها في أوربا، ولذلك فإنها لم تترك فرصة إلا وحاولت تعويقه، ومع ذلك استمر بناء الخط واكتمل وبات جاهزاً للتشغيل، وبمجرد تشغيله تتعزز إمدادات الغاز الروسي لأوربا كلها كمصدر موثوق به لطاقة نظيفة وغير مكلفة بينما تشهد روسيا زيادة في عائداتها، وهكذا ترسخ حالة "الاعتماد المتبادل" بين روسيا وألمانيا خاصة وأوربا عامة، وهو تطور من شأنه أن يعزز مناخ العلاقات التعاونية بين روسيا وأوربا وفي القلب منها ألمانيا، فإذا استمر هذا التطور يمكن أن يفضي في النهاية إلى تعزيز التجارة بين الطرفين وبعملاتهم الخاصة بما يُخَفض قيمة الدولار، وتخفيض التوتر إلى أدنى مستوى، وقد يؤدي ذلك إلى الاستغناء عن صفقات الأسلحة الأمريكية أو بعضها، بل وربما يصبح الحماس لحلف عسكري كالناتو أقل، ناهيك بإغلاق الطريق تماماً على أي صادرات أمريكية للطاقة إلى أوربا، ولهذه الاعتبارات كلها كانت المعارضة المتصلبة من الإدارات الأمريكية لمشروع نوردستريم٢، فهو على هذا النحو ليس مجرد خط أنابيب وإنما هو نافذة على مستقبل تتقارب فيه أوربا وروسيا، وقد يمتد التقارب إلى آسيا مما يُسَرع انحدار القوة الأمريكية ويمثل مؤشراً أكيداً لتآكل النظام العالمي أحادي القطبية، ومن هنا جاء التصميم الأمريكي على تدمير نوردستريم٢.
   وهكذا يرى أنصار منطق "لعبة الاستدراج" أن الخيار الوحيد أمام السياسة الأمريكية لنسف نوردستريم٢ من أجل منع تقارب أوربي-روسي كان استدراج روسيا للقيام بعمل عسكري ضد أوكرانيا ثم الادعاء بأن الانتقام من هذا العمل يفوق أي مصالح اقتصادية وطنية، وهو ادعاء مهم لأن العقوبات التي فُرِضَت بالفعل على روسيا بعد عمليتها العسكرية في أوكرانيا لا تُلحق الضرر بروسيا وحدها وإنما بأوربا أيضاً، ولذلك لابد أن يكون هناك مبرر قوي لفرضها، وهكذا استُخدمت أوكرانيا كطعم لاستدراج بوتين بتشجيعها على استفزازه والتأكيد في الوقت نفسه على عدم التدخل العسكري المباشر في الأزمة تفادياً لحرب عالمية لن تترك أخضر ولا يابس على سطح الأرض، وربما تكون قلة خبرة الرئيس الأوكراني قد ساعدت على اندماجه في الدور الذي رُسِم له اللهم إلا إذا كان شريكاً واعياً في اللعبة، وإن كانت لا توجد مؤشرات لذلك، ثم تلعب المساعدات العسكرية السخية لأوكرانيا دورها في استنزاف روسيا ليتحقق للولايات المتحدة هدف مزدوج: من جانب تمتين التحالف الأمريكي-الأوربي الذي تعرض لأزمات غير مرة، ومن جانب آخر استنزاف القوة الروسية التي تمثل الند العسكري الوحيد لها في النظام العالمي، وهو استنزاف مهم في "لعبة الأمم" يُقال أنه لعب دوراً في انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوڤيتي في١٩٩١بعد أن أنهكه الرئيس رونالد ريجان(١٩٨٠-١٩٨٨) بسباق مُكَثف للتسلح، ويثور السؤال هنا: أليس لدى الرئيس الروسي أو حتى مستشاريه فكرة عن هذا النوع من التحليلات حتى يُسْتَدْرَج بهذه السهولة إلى صراع يستنزفه وقد يقصيه عن "لعبة الأمم"؟ والإجابة المنطقية أن قائداً مُحَنكاً كبوتين لا يمكن أن يقع ببساطة في هكذا فخ، غير أن الذكاء في اللعبة أنها تتعلق بهدف ذي أولوية مطلقة وهو الأمن الروسي، وبالتالي فمن المؤكد أن الحسابات الأمريكية لو صح هذا التحليل كانت تعلم من خبرتها الماضية بسلوك بوتين وهواجسه الأمنية أنه لا يمكنه القبول بدخول أوكرانيا حلف الأطلنطي ليمثل تهديداً جسيماً لأمنه على حدوده المباشرة، وبالتالي فهو واقع في الفخ لا محالة، فهل تدور الدائرة عليه؟
   ثمة ما يشبه الإجماع بين المحللين الاستراتيجيين على أن النصر سوف يكون في النهاية لروسيا بسبب الخلل الفادح في ميزان القوى، ومن المهم تحديد مفهوم النصر هنا، وهو تحييد القوة العسكرية لأوكرانيا وضمان حيادها والاعتراف بضم القرم والمناطق الشرقية التي يسكنها روس وليس احتلال أوكرانيا، ولكن يبقى السؤال المهم عن التكلفة بكل أبعادها العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولن تؤدي هذه التكلفة إلى تخلي بوتين عن هدفه الأصيل، ولكنها قد تؤثر في فاعلية الدور الروسي ووزنه في التحالف المتوقع بينه وبين الصين، والله أعلم.

أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
الثابت والمتغير في العلاقات الروسية-الإسرائيلية(٢/٢)
19/05/2022  
الثابت والمتغير في العلاقات الروسية-الإسرائيلية(٢/١)
12/05/2022  
المزيد
الإتحاد
«عسكرة» التفاعلات الدولية
31/05/2022  
ليبيا: خطوة للأمام أم حلقة مفرغة؟
24/05/2022  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد