أضف للمفضلة
بحث متقدم 
قراءة في التطورات الأفغانية: (٢)معضلة التنبؤ
02/09/2021 | أخري | مصادر أخري
روابط ذات صلة
21/10/2021
في ذكرى معارك الثغرة(٢/١)  
07/10/2021
حرب أكتوبر والأمن القومي العربي  
23/09/2021
تأملات في قرار غير رشيد  
09/09/2021
قراءة في التطورات الأفغانية: (٣)مستقبل النظام الدولي  
02/09/2021
قراءة في التطورات الأفغانية: (٢)معضلة التنبؤ  
   
   لا تثير التطورات الأفغانية الأخيرة قضايا تتعلق بمستقبل أفغانستان أو محيطها الإقليمي أو النظام الدولي فحسب وإنما تنطوي أيضا على دلالات نظرية هامة تتعلق بإشكاليات التحليل السياسي، وقد مثلت المقالة الماضية بداية التأمل في هذه الدلالات بقدر محاولتها إعادة الاعتبار لمكانة التاريخ في التحليل السياسي، وثمة دلالات هامة أخرى ترتبط مثلاً بدور الجغرافيا في هذا التحليل كما أظهر الدكتور محمود توفيق باقتدار بمقالته في "الأهرام" بتاريخ(٨/٢٣)، وبتأكيد حدود قدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية وبفساد فكرة الخلق الخارجي للنظم السياسية وغيرها، وسوف أُركز هنا على معضلة التنبؤ في التحليل السياسي نظراً لما تردد في سياق تسارع الأحداث من أن سيطرة "طالبان" لم تكن متوقعة، أو أنها لم تكن على الأقل متوقعة بهذه السرعة، والتنبؤ هو غاية كل علم، فالاستشراف الناجح للمستقبل يجعلنا أكثر قدرة على التحكم فيه أو على الأقل التحسب له، ففي الظواهر السياسية قد يمكننا مثلاً تفادي انهيار نظام سياسي بإدخال الإصلاحات اللازمة إذا اكتشفنا عوامل الخلل فيه مبكراً، لكننا في الظواهر الطبيعية كالزلازل مثلاً لا نستطيع تفاديها وإنما نتحسب لوقوعها.
   وتواجه مهمة التنبؤ في التحليل السياسي صعوبات جسيمة من أهمها تعقد متغيرات الظواهر السياسية، فلكي تتنبأ بثورة عليك أن تعلم بدقة كل ما يتعلق بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مجتمع ما وبيئته الخارجية إقليمياً وعالمياً، كذلك هناك صعوبة التحيز، فللباحث تحيزاته الشخصية التي قد تؤثر على موضوعيته فلا يُحسِن تقدير مكامن الضعف في النظام السياسي الذي يؤيده أو جوانب القوة في العدو الذي يدرسه وهكذا، ويُضاف إلى ذلك ما سبق ذكره في المقالة الماضية عن استحالة إجراء التجارب بالمعنى العلمي، وترتبط بذلك صعوبة القياس، فالمقاييس في العلوم الاجتماعية ليست موضع اتفاق كذلك الذي تعرفه العلوم الطبيعية في مقاييس الأطوال والأوزان والكثافة وغيرها، ويزيد الأمر صعوبة أن الظواهر الطبيعية تتحدث عن نفسها، فالسوائل تتبخر أو تتجمد في درجة حرارة معينة بينما المحللون هم الذين يتحدثون عن درجة الاستقرار السياسي أو الرضا الشعبي وفقاً لمقاييس ليست موضع اتفاق، وحتى عندما توجد المتغيرات السياسية في حالة كمية كالقوة العسكرية فإن متغيرات كيفية كالروح المعنوية والكفاءة القتالية تؤثر في فعالية توظيف هذه القوة، وأخيراً توجد الصعوبة المتعلقة بأثر التوصل إلى تنبؤات معينة على التطور اللاحق لإعلانها، ففي العلوم الطبيعية عندما تتنبأ بالأعاصير والزلازل لا يمكنك أن تمنع وقوعها وإنما تتحسب لها فحسب بعكس الظواهر السياسية التي يمكن فيها بعد التنبؤ بسقوط حزب في انتخابات قادمة أن يسعى أنصاره إلى علاج أخطائهم فيفوزون فيما يُعرف بالتنبؤ الهادم لذاته، أو بنجاح ساحق لحزب آخر يُصاب خصومه باليأس ويُهزمون بالفعل فيما يُعرف بالتنبؤ المحقق لذاته، فهل يعني ذلك أن التنبؤ في التحليل السياسي مستحيل؟
   ليس التنبؤ السياسي مستحيلاً وإن يكن شديد الصعوبة وغير مكتمل الدقة بدرجات متفاوتة، ويتطلب الأمر من المحللين السياسيين جهوداً فائقة للتغلب على الصعوبات السابقة بمحاولة الإحاطة بكافة المتغيرات المؤثرة في الظواهر موضوع التحليل والتعمق في فهمها والتدريب الشاق على الموضوعية إدراكاً لأنها السبيل لتحقيق مصلحة الباحث وليس التحيز، ومحاولة الاستفادة بنماذج الخبرة الماضية، والتوصل لمقاييس قد لا تكون دقيقة تماماً ولكنها أفضل من لا شئ، والمتابعة الدائمة للتطورات وهكذا، والدليل على أن التنبؤ ممكن أن ثمة حالات عديدة أمكن فيها التنبؤ بسهولة بتطورات مهمة في وقت مناسب، وأحياناً كانت هناك تنبؤات صحيحة بعيدة المدى بما يفيد في التخطيط الاستراتيجي، ومازلت أذكر كيف كان أستاذي الجليل سمعان بطرس فرج الله رحمه الله يجيب في نهاية ستينات القرن الماضي إجابات فورية على أسئلتنا بخصوص مصير محاولات تسوية الأزمة الڤيتنامية بالقطع بفشلها لأن "الڤيت كونج" غير ممثلين فيها، تماماً كما نجيب الآن بالقطع نفسه على مصير أي محاولة لتسوية القضية الفلسطينية في ظل موازين القوى الحالية، ومازلت كذلك أذكر كيف نظرت بانبهار وتشكك في الوقت نفسه إلى نبوءة أستاذي الجليل الدكتور عبد الملك عودة رحمه الله في محاضراته عن "النظم السياسية الأفريقية" بانهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي حدث بالفعل في مطلع التسعينات بعد نبوءته بحوالي ربع قرن، أما مثالي الأثير على إمكان التنبؤ السياسي الدقيق الذي لا أمل من ذكره لطلبتي فأستمده من خبرة الغزو العراقي للكويت١٩٩٠ وبطله القائد العسكري الفذ عبد الغني الجمسي، وكان مركز الدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بقيادة الدكتور على الدين هلال قد دأب على تنظيم حلقات نقاشية مغلقة تتناول القضايا الملحة فنظم واحدة عن حرب تحرير الكويت بعد نشوبها بأسبوعين، وكُلفت بإعداد ورقة النقاش وكان الجمسي أحد المدعوين، وكنت قد ذكرت فيها عبارة تفيد أن الحرب قد طالت عن أمدها المتوقع، وعندما حان دوره في الحديث قال أنه سيعلق على هذه العبارة حصراً، وبدأ تحليلاً بالغ الدقة لميزان القوى في الحرب مؤكداً أنه لابد سيفضي إلى هزيمة صدام ومستعرضاً طبيعة العمليات اللازمة لتحقيق هذه الهزيمة ومنتهياً إلى أن الحرب سوف تنتهي بعد ستة إلى سبعة أسابيع من بدايتها، وعندما انسحب آخر جندي عراقي من الكويت في٢٨فبراير١٩٩١ وجدت أن ذلك اليوم هو أول أيام الأسبوع السابع لبداية الحرب، وقد يكون بعض التنبؤات غير دقيق أو مكتمل لكني كنت أقول لطلبتي دائماً أنه أجدى من لا شئ كعود الكبريت الذي يحمينا من التعثر في الظلام، فأين التطورات الأفغانية من هذا كله؟
   والواقع أنني دُهشت من التصريحات التي تحدثت عن "مفاجأة" سيطرة طالبان على كابول أو السرعة التي تمت بها، فالحالة الأفغانية نموذج لإمكان التنبؤ السياسي بل سهولته، والواقع أن ما حدث هو النتيجة الطبيعية لاتفاقية فبراير٢٠٢٠، فما الذي يعنيه أن تتفق الإدارة الأمريكية عندما تقرر الانسحاب مع "طالبان" وليس الحكومة الشرعية؟ أو أن تطلب منها في الاتفاق ضمانات للأمن الأمريكي؟ وما الذي يعنيه ألا تلزمها بوقف إطلاق النار؟ أو أن تطلب منها ألا تصدر تأشيرات أو جوازات سفر لعناصر إرهابية؟ أو أن تسمح لها بتسمية نفسها كطرف في الاتفاق "إمارة أفغانستان الإسلامية"؟ فالواقع أن كابول سقطت يوم توقيع الاتفاق، وأشك أن المسؤولين الأمريكيين لم يكونوا يدركون ذلك، وإنما كان الاتفاق هو ورقة التوت المطلوبة لستر عورة الهزيمة.
أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
في ذكرى معارك الثغرة(٢/١)
21/10/2021  
حرب أكتوبر والأمن القومي العربي
07/10/2021  
المزيد
الإتحاد
المشهد الانتخابي الليبي
09/11/2021  
أفكار حول مستقبل التحالف الغربي
02/11/2021  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد