أضف للمفضلة
بحث متقدم 
قراءة في التطورات الأفغانية: (٣)مستقبل النظام الدولي
09/09/2021 | أخري | مصادر أخري
روابط ذات صلة
21/10/2021
في ذكرى معارك الثغرة(٢/١)  
07/10/2021
حرب أكتوبر والأمن القومي العربي  
23/09/2021
تأملات في قرار غير رشيد  
09/09/2021
قراءة في التطورات الأفغانية: (٣)مستقبل النظام الدولي  
02/09/2021
قراءة في التطورات الأفغانية: (٢)معضلة التنبؤ  
   
   تناولت المقالتان السابقتان عدداً من التعميمات النظرية التي دعمتها التطورات الأفغانية الأخيرة كمكانة التاريخ والجغرافيا في التحليل السياسي وحدود فعالية القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية وفساد فكرة تأسيس النظم السياسية بإرادة خارجية ومعضلة التنبؤ في التحليل السياسي، وفي هذه المقالة أُركز على دلالة التطورات الأفغانية بالنسبة لبنية النظام الدولي والذي تطورت نماذج القيادة فيه كما هو معلوم من النموذج التعددي قبل الحرب العالمية الثانية كما يتضح من أطراف المعسكرين المتناحرين فيها إلى نموذج القطبية الثنائية بعدها حيث اضطلع بالوظيفة القيادية فيه كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي حتي تفككه في مطلع تسعينات القرن الماضي وبزوغ نموذج الأحادية القطبية بانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام إلى حين، فقد بدت حدود القوة الأمريكية واضحة من خلال ورطتيها بغزو أفغانستان أولاً والعراق ثانياً واشتعال المقاومة فيهما، وواصل قطار الصين السريع تقدمه بثبات وعادت روسيا إلى ساحة التأثير الدولي في ظل قيادة بوتين، بالإضافة إلى وجود قوى دولية أخرى ذات شأن كالاتحاد الأوربي واليابان، ثم أضاف ترامب لهذه التطورات بسياسة "أمريكا أولاً" التي كان من تداعياتها إفساد علاقة الولايات المتحدة بحلفائها ومعه بدت معزولة عن قضايا عالمية مهمة كتغير المناخ ومواجهة جائحة كورونا، ولذلك رفع بايدن بعد وصوله للرئاسة شعار "أمريكا عادت"، لكن المعنى الذي فهمه البعض والأرجح أن بايدن كان يقصده -أن أمريكا عادت لقيادة العالم منفردة- لم يكن صحيحاً، ليس فقط لوجود مراكز أخرى للقيادة في النظام العالمي ولكن لأن القيادة ليست مجرد مقومات مادية تمتلكها الولايات المتحدة وتتفوق فيها بالتأكيد، ولكنها أيضاً "مشروع مقبول" من المستهدفين بالقيادة، وهو الأمر الذي كان غيابه واضحاً منذ عقود، ولم تفعل الهزيمة الأمريكية الأخيرة في أفغانستان لحساب تنظيم لا يمكن أن يكون نموذجاً مثالياً سوى أنها أكدت هذا الغياب.
   فعبر العقود توالت هزائم المحاولات الأمريكية لفرض رؤيتها على هذا البلد أو ذاك، فلم تتمكن من حسم الحرب الكورية في مطلع خمسينات القرن الماضي، وفشلت في القضاء على الثورة الكوبية منذ أواخر الخمسينات وحتى الآن وفي حماية النظام الذي دافعت عنه في ڤيتنام بما وصل إلى ربع مليون جندي مدججين بأشد الأسلحة التقليدية فتكاً في منتصف السبعينات، وبعد هذا الفشل بسنتين اعترفت بهزيمتها في حصار الصين الشيوعية وسلمت بتمثيلها للصين في الأمم المتحدة، ومنذ الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات فشلت كل محاولاتها في خنقها، بل إن مشروعها الفاشل لغزو العراق جعل منه ساحة مستباحة للنفوذ الإيراني الذي تحاول القوى العراقية الوطنية حتى الآن التخلص منه أو على الأقل تحييده، وهذا بالإضافة إلى إخفاقاتها المتكررة في أمريكا اللاتينية عامة وفنزويلا خاصة، والسجل حافل بالمزيد، وليس معنى هذا أن السياسة الأمريكية لم تحقق أي نجاحات، فقد خرجت منتصرة في الحرب الباردة بتفكك خصمها وانهيار النظم الحليفة له، وأسست نظماً ديموقراطية في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا، وحمت أمن إسرائيل في محيط عربي معادٍ، لكن إمعان النظر في هذه الإنجازات يظهر أنها جاءت أساساً بسبب الضعف الداخلي للخصوم كحالة الاتحاد السوڤيتي، أو الظروف الخاصة للحلفاء كما في حالة إسرائيل القوية واليابان وألمانيا الغربية اللتين بدأت عملية البناء الديموقراطي فيهما على أنقاض تجربتين شموليتين روعتا شعبيهما والعالم أجمع.
   ويعني ما سبق أن أحداً لا يتحدث عن انتهاء الدور القيادي الأمريكي دولياً فهذا ضد طبائع الأشياء، لكنه يعني أنه آن الأوان لكي تحسم النخبة الاستراتيجية والفكرية الأمريكية طبيعة هذا الدور وأدواته، ذلك أن محاولات فرض الرؤية الأمريكية على الآخرين باءت بفشل ذريع، وحتى أولئك الذين خضعوا لضعفهم وسوء تقديرهم لضغوط أمريكية فجة فإن هذا الخضوع لم يُفْض لثمار تُذكر لصالح المكانة الأمريكية بل لعله زاد من تآكلها (نموذج صفقة القرن  والناتو العربي مثلاً)، ولعل التصريح الأخير لبايدن بخصوص توقف الولايات المتحدة عن أن تلعب دور شرطي العالم ذو صلة وثيقة بإعادة التفكير في طبيعة الدور الأمريكي وأدواته، فالولايات الأمريكية تملك من مقومات القوة الناعمة ما يكفيها للاضطلاع بدور بالغ التأثير في الشؤون الدولية، وليكن لها في الصين أسوة حسنة، فقد حققت ما حققته من نفوذ عالمي بأدوات اقتصادية أساساً تحقق مصالحها طبعاً ولكنها تحرص أيضاً على استفادة الآخرين وربما الأهم أنها لا تتدخل في شؤونهم الداخلية، ولا شك أن التحول الأمريكي المطلوب لن يكون سهلاً بسبب الانقسام الأمريكي الراهن الذي تفاقم في ولاية ترامب وكذلك بسبب مصالح "المجمع الصناعي العسكري" الذي حذر منه الرئيس الأمريكي أيزنهاور منذ خمسينات القرن الماضي، لكن الدور القيادي الأمريكي سوف يكون مهدداً تهديداً حقيقياً بدون هذا التحول، والحقيقة أن الصين لو تمكنت من الحفاظ على تماسكها واستقرارها الداخلي ووتيرة النمو الاقتصادي فيها سوف تقفز في أمد منظور إلى قمة النظام العالمي خاصة وأن التحالف الأمريكي-الأوربي الذي قوضه ترامب بسياساته وحاول بايدن إعادته بات مُهَدداً من جديد بفعل تكرار المشاريع الأمريكية الفاشلة وآخرها في أفغانستان، ومعلوم أن ثمة قوى أوربية رئيسية وبالذات فرنسا تكافح منذ الحقبة الديجولية من أجل دور أوربي مستقل، بل إن الانتقادات الأخيرة لرئيس وزراء بريطانيا الحليف الأمين للولايات المتحدة لفشلها الأخير في أفغانستان ذات دلالة واضحة، ويبدو أن الدرس الأهم للجميع من الخبرة الأفغانية هو أن القرار المستقل المبني على رؤية رشيدة للمصلحة الوطنية وليس الانقياد للآخرين مهما كان وزنهم هو مفتاح النجاح.
أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
في ذكرى معارك الثغرة(٢/١)
21/10/2021  
حرب أكتوبر والأمن القومي العربي
07/10/2021  
المزيد
الإتحاد
المشهد الانتخابي الليبي
09/11/2021  
أفكار حول مستقبل التحالف الغربي
02/11/2021  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد