أضف للمفضلة
بحث متقدم 
تأملات في قرار غير رشيد
23/09/2021 | أخري | مصادر أخري
روابط ذات صلة
21/10/2021
في ذكرى معارك الثغرة(٢/١)  
07/10/2021
حرب أكتوبر والأمن القومي العربي  
23/09/2021
تأملات في قرار غير رشيد  
09/09/2021
قراءة في التطورات الأفغانية: (٣)مستقبل النظام الدولي  
02/09/2021
قراءة في التطورات الأفغانية: (٢)معضلة التنبؤ  
   
   ينطوي عنوان هذه المقالة على مخاطرة تحليلية، فهو يصف بعدم الرشادة قراراً اتخذته القوة الأولى في العالم ويُفترض أن تكون قوة كبرى كبريطانيا وقوة إقليمية كاستراليا قد شاركتا فيه، مع أن ثلاثتهم من الدول ذات النظم الديموقراطية الليبرالية التي تتميز بالمؤسسية والحرية التي تسمح بأكبر قدر من المشاورات التي تفضي إلى رشادة القرارات، وأقصد بطبيعة الحال الإعلان الأخير عن شراكة استراتيجية يُفترض أن تعزز قدرات التحالف الغربي في مواجهة الصعود الصيني الذي تراه الولايات المتحدة بحق خطراً على قيادتها للعالم، وبداية فإن معايير الرشادة بالغة التعقيد وأبسطها حسابات العائد/التكلفة، فالقرار قد يُوصف بأنه رشيد إذا زاد عائده عن تكلفته، وهو معيار يسهل تطبيقه في الصفقات التجارية، لكن الأمر يتعقد كثيراً في الحسابات السياسية التي تنطوي على أمور يصعب بل يستحيل التعبير عنها بلغة الأرقام وكثيراً ما يكون الخلاف حول تقييمها شديداً، فالقرار السوري بالاستعانة بروسيا وإيران في مواجهة المعارضة المسلحة لنظام الأسد لا شك أنه ساعد كثيراً في الحفاظ عليه، لكن الوطأة الروسية والإيرانية على القرار السوري تثير إشكاليات كثيرة، ولا شك أن الولايات المتحدة خرجت منتصرة بأقل تكلفة في حربها ضد الغزو العراقي للكويت، لكن غزوها للعراق في٢٠٠٣ وإن أسقط حكم صدام حسين كلفها الكثير وقوض من صدقيتها وقدم العراق لقمة سائغة لنفوذ إيران التي تعتبرها الشيطان الأكبر، بل إن حسابات الرشادة في القرار تتعقد أكثر عندما ينطوي على قيم عليا كالاستقلال الوطني يتحتم الدفاع عنها مهما كانت الحسابات تشير إلى خسارة أكيدة، فهل نعتبر قرار المرء دفاعاً عن شرفه وماله والقائد دفاعاً عن استقلال وطنه غير رشيد لأنه انتهى بالهزيمة؟ ومع ذلك فإن هذا التعقيد لا يمنعنا من الاجتهاد لتقصي درجة الرشادة في القرارات المختلفة، فأين قرار الشراكة الاستراتيجية الأخير بين الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا من هذا الجدل؟
   لا أخفي دهشتي من هذا القرار توقيتاً ومضموناً، فهو يأتي في سياق التداعيات الكارثية للتطورات الأفغانية وأول دروسها أن القوة العسكرية على أهميتها ليست بالضرورة هي الأكثر فاعلية في مواجهة المخاطر، ولا يعني هذا إهمالها بطبيعة الحال في إدارة التنافس الأمريكي مع الصين، ولكن المؤكد أن الولايات المتحدة متفوقة على الصين عسكرياً حتى الآن، وحتى مع تعزيز الصين قوتها العسكرية في السنوات الأخيرة على نحو لافت فإن أقصى ما يمكن أن تصل إليه هو حالة من توازن الردع مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعلها بحاجة إلى إعادة النظر في أساليبها المتمثلة في التدخل العسكري والعقوبات والتي قد لا نبالغ بوصفها بالبالية على ضوء عجزها المتكرر عن النجاح في تحقيق أي هدف، وبدلاً من قرار الشراكة الذي كان من الطبيعي أن يثير غضب الصين لكنه أيضاً أثار غضباً عارماً من حلفاء كان من الممكن أن تخرج علينا السياسة الأمريكية في هذا التوقيت بمبادرات اقتصادية ودبلوماسية وثقافية تستطيع بها تطويق ما تراه خطراً صينياً، أما من ناحية المضمون وبافتراض أن القرار سيفضي فعلاً إلى نقلة عسكرية نوعية في المواجهة مع الصين فإنه قد أحدث أزمة غير مسبوقة في التحالف الغربي نتيجة الغضب الفرنسي العارم وغضب المصادر القيادية في الاتحاد الأوربي بسبب دلالات القرار بالنسبة لمكانة فرنسا والاتحاد الأوربي في السياسة الأمريكية، وليست الأزمات بالجديدة على التحالف الغربي، فقد انسحبت فرنسا ديجول من البنية العسكرية للحلف في١٩٦٦ وظلت خارجها حتى أعادها ساركوزي في٢٠٠٩، واعتبرت اليونان أن الحلف خذلها في الموقف من الغزو التركي لقبرص١٩٧٤، وحدث شقاق حاد بين فرنسا وتركيا بسبب التدخل العسكري التركي في الصراع الحالي في سوريا، وبين الاتحاد الأوربي وتركيا بسبب سياسة الأخيرة تجاه اليونان وقبرص بخصوص التنقيب عن الثروات الطبيعية في شرق المتوسط، وبين الولايات المتحدة وشركاء الأطلنطي عندما اتهمهم ترامب بعدم تحمل نصيبهم الواجب في تمويل الحلف، وبينها وبين تركيا بسبب صفقة صواريخ الدفاع الجوي الروسية.
   لكن الأزمة الأخيرة التي ترتبت على الشراكة الثلاثية تبدو الأخطر بكثير، فإمعان النظر في الأزمات السابقة يظهر بوضوح أن أياً منها لم يلحق ضرراً جسيماً بالحلف أو أحد أعضائه، وإنما كان جوهرها انتقاد من أحد أطراف الحلف أو قيادته لسلوك آخرين، أما الشراكة الاستراتيجية الأخيرة فقد ترتب عليها ضياع صفقة بناء غواصات فرنسية تُقدر قيمتها بحوالي٦٠مليار دولار على أساس أن استراليا ستستبدل بالغواصات الفرنسية ذات الدفع التقليدي أخرى ذات دفع نووي، وليست الخسارة مادية فادحة فحسب ولكنها ضربة قاسية لمكانة الصناعة العسكرية الفرنسية، ومن الواضح أن مصالح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي هي القوة الدافعة الأولى وراء هذا القرار، فصفقة كهذه يسيل لها لعاب أي صناعة عسكرية مهما بلغ حجمها، ولهذا جاء رد الفعل الفرنسي شديد الغضب فاستُخدمت كلمات مثل طعنة في الظهر وكذب وخداع وانتهازية، ثم جاء القرار غير المسبوق في العلاقة بين القوى الغربية الكبرى وهو سحب فرنسا سفيريها في الولايات المتحدة واستراليا، لكن الأقسى من ذلك كانت إجابة وزير الخارجية الفرنسي على السبب في عدم سحب السفير من بريطانيا ومفادها أن فرنسا تعودت الانتهازية منها، ويبدو أن السؤال سيبقى قائماً عن المدى الذي ستواصل فيه بريطانيا انقيادها الأعمى للسياسة الأمريكية رغم عديد من المغامرات الفاشلة آخرها غزو العراق وأفغانستان، والمشكلة أن الاتحاد الأوربي يؤيد فرنسا في موقفها وإن بحدة أقل وتتحدث مصادره القيادية عن الحاجة إلى تطوير الاستقلال الاستراتيجي للاتحاد الأوربي، فهل اتسع الخرق على الراتق في التحالف الغربي؟ المشكلة هذه المرة أن الراتق هو الذي وسع الخرق.
أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
في ذكرى معارك الثغرة(٢/١)
21/10/2021  
حرب أكتوبر والأمن القومي العربي
07/10/2021  
المزيد
الإتحاد
المشهد الانتخابي الليبي
09/11/2021  
أفكار حول مستقبل التحالف الغربي
02/11/2021  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد