أضف للمفضلة
بحث متقدم 
تونس والأمن القومي المصري
15/04/2021 | قضايا عربية | مصادر أخري
روابط ذات صلة
29/07/2021
نحو استراتيجية شاملة لمواجهة معضلة الندرة المائية(٢/١)  
15/07/2021
تأملات في دروس جلسة مجلس الأمن(٢/١)  
08/07/2021
مجلس الأمن وسد النهضة  
01/07/2021
أعباء الدور الخارجي المصري وتكلفته  
22/06/2021
دروس القمة الأميركية الروسية  
   
   نزلت زيارة الرئيس التونسي العزيز لمصر برداً وسلاماً على قلوب المصريين ليس لأنها أكدت عمق العلاقة بين تونس ومصر رسمياً وشعبياً فحسب ولكن لأنها طمأنت المصريين بوجود هذه القامة العروبية الشامخة على رأس تونس العزيزة وبما تدركه هذه القامة من عمق للعلاقات بين البلدين سياسياً وثقافياً. لم تكن الزيارة في حد ذاتها مفاجأة، فهي تأتي اتساقاً مع السياسة العربية الرشيدة التي تتبعها القيادة المصرية سعياً لبناء شبكة شاملة لعلاقات مصر العربية تساعد على مواجهة التحديات التي تُحدق بالوطن العربي، وكذلك مع الدور الريادي الذي يضطلع به الرئيس التونسي باقتدار في إدارة سياسة بلاده الخارجية، لكن المفاجأة كانت في اللغة الحاسمة التي تحدث بها الرئيس قيس سعيد عن أمن مصر المائي فقال بعربيته المُمَيزة "بالنسبة للتوزيع العادل للمياه أقولها وأُكررها أمام العالم كله: نحن نبحث عن عن حلول عادلة، ولكن الأمن القومي لمصر هو أمننا، وموقف مصر في أي محفل دولي سيكون موقفنا. أقول هذا عن قناعة تامة لأننا قرأنا التاريخ جيداً ونستشرف المستقبل جيداً، ولن نقبل أبداً بأن يتم المساس بالأمن المائي لمصر. سيادة الرئيس تحدث عن حلول عادلة، نعم ولكن ليس على حساب مصر وعلى حساب أمتنا"، وأحسب أن هذه التصريحات تمثل أقوى المواقف العربية والدولية حتى الآن تأييداً لمصر وحقوقها المائية العادلة، وتزداد أهمية هذه التصريحات لمجيئها قبل أقل من ثلاثة شهور على تنفيذ التهديد الإثيوبي بالملء الثاني المنفرد لخزان السد، ومن رئيس الدولة التي تمثل العرب حالياً في مجلس الأمن الذي سيشهد بالتأكيد معركة دبلوماسية ضارية تدافع فيها مصر عن حقوقها المشروعة، والأجمل في التصريحات أن الرئيس حرص على أن يؤكد وعيه بحقائق الماضي وتوقعات المستقبل، وقد لا تدرك الأجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الحقبة من تاريخ العرب أن موقف الرئيس التونسي يمثل القاعدة وليس الاستثناء في خبرة العلاقات المصرية-التونسية المعاصرة.
   فقد لا تعلم هذه الأجيال أن المشاركة الوحيدة للجيش التونسي في أعمال حربية خارج الحدود كانت دفاعاً عن الأمن القومي المصري، فقد بُنيت العقيدة العسكرية لهذا الجيش ومازالت على استراتيجية دفاعية، ومن ثم انحصر دوره في خوضه معارك ضارية ضد القوات الفرنسية منذ١٩٥٦ وحتى تحقيق الاستقلال التام في١٩٦١، كما تعرض لهجمات فرنسية ضارية بسبب تأييده للمجاهدين الجزائريين في حرب الاستقلال، وكان من أبشع هذه الهجمات قصف قرية سيدي يوسف بالطائرات الذي أدى إلى استشهاد حوالي مائة تونسي في١٩٥٨، كذلك اضطلع الجيش التونسي بمهام أممية عديدة لحفظ السلام بدأت بالكونجو(١٩٦٠-١٩٦٣) وامتدت بعدها لبلدان أخرى ومن أهمها المشاركة في تثبيت وقف إطلاق النار بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية بعد الصدامات الدموية بينهما في١٩٧٠، وبهذا كانت المرة الأولى التي شارك فيها الجيش التونسي في مهام حربية خارج حدوده هي المشاركة بقوات في التصدي لعدوان يونيو١٩٦٧ وإن لم تُتِح النهاية السريعة للعدوان فرصة حقيقية للمشاركة، وتكرر الأمر في حرب أكتوبر١٩٧٣ حين شارك الجيش التونسي على الجبهة المصرية بقوات مشاه محمولة قوامها ١١٠٠جندي، وكان أجمل ما في المشاركة الرمزية الأولى في١٩٦٧ أنها تمت بعد الخلاف الشهير بين عبد الناصر وبورقيبة حول توجه الأخير لتسوية سياسية للصراع العربي-الإسرائيلي دليلاً على أن اعتبارات الأمن القومي العربي تتجاوز الخلافات السياسية تماماً كما تجاوزت اعتبارات التحرر من الاستعمار التمايز بين تجربتي عبد الناصر وبورقيبة، فقد أيدت مصر دون تحفظ كفاح الشعب التونسي لتأكيد استقلاله، ورد بورقيبة بدعوة عبد الناصر لحضور الاحتفال بالجلاء الفرنسي عن قاعدة بنزرت في ديسمبر١٩٦٣ فكانت زيارته التاريخية لتونس وقوله في كلمته التي ألقاها في الاحتفال "حينما كنت أمر بين هذه الحشود التي تحتفل بالجلاء الكامل عن أرض الوطن كنت أذكر أيام كفاحكم وكيف كان الشعب في مصر يتتبع هذا الكفاح ويشعر بمشاعركم ويحس بأحاسيسكم"، كما أشاد بموقف الشعب التونسي من العدوان على مصر في١٩٥٦ واعتبره دليلاً على الوحدة العربية، وأحسب أن الرئيس قيس سعيد كان واعياً بهذه المعاني كافة عندما أشار إلى قراءته الجيدة للتاريخ وهو يتحدث عن موقفه من حقوق مصر المائية، ويبني على هذه القراءة استشرافه للمستقبل، وكان واعياً بها أيضاً عندما سطر كلماته الصادقة في زيارته لضريح عبد الناصر مترحماً على روحه ومتذكراً مواقفه ومناقبه ومشيراً إلى حضورها حتى اليوم.
   تنتظر العلاقات المصرية-التونسية الضاربة في أعماق التاريخ مهام عديدة لصالح الشعبين تتمثل في تنمية العلاقات الثنائية بكافة أبعادها، والتصدي لتحديات الأمن القومي العربي كما تتمثل في مواجهة الإرهاب والاختراقات الخارجية وضمان مسار تسوية الخلافات في ليبيا بما يحقق مصلحة شعبها بعيداً عن أي تدخلات خارجية، وإن هذه العلاقات لقادرة على الوفاء بمسؤوليتها الجسيمة بحكم عمقها التاريخي الضارب في القدم وتمتعها ببعد ثقافي واجتماعي تشهد عليه الزيتونة والأزهر الذي حرص الرئيس التونسي على زيارته والتقاء إمامه الأكبر، ويشهد عليه العلامة إبن خلدون الذي امتد عطاؤه إلى مصر معلماً وقاضياً قرابة ربع قرن قضاه فيها فاستقبل خير استقبال وكانت مقدمته الشهيرة قد ذاعت فيها، وكان ترابها مثواه الأخير، ويشهد عليها بيرم التونسي بكل عطائه الوطني والفني، ويشهد عليها حفل أم كلثوم في تونس دعماً للمجهود الحربي المصري في مايو١٩٦٨ والذي حضره خمسة آلاف تونسي يتقدمهم الرئيس بورقيبة وزوجته، وتشهد عليها تلك الكوكبة من الفنانين التونسيين الذين ازدهر عطاؤهم على أرض مصر، ومن المؤكد أن هناك من يتربص بهذه العلاقات إدراكاً لأهميتها في إفساد مخططات شريرة فعلينا صونها بتعزيز أبعادها كافة والبعد بها عن تفاهات التعصب الرياضي والمراهقة السياسية.
أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
نحو استراتيجية شاملة لمواجهة معضلة الندرة المائية(٢/١)
29/07/2021  
تأملات في دروس جلسة مجلس الأمن(٢/١)
15/07/2021  
المزيد
الإتحاد
تداعيات المأزق السياسي الليبي
27/07/2021  
حول بيان المبعوث الأممي لليبيا
20/07/2021  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد