أضف للمفضلة
بحث متقدم 
"حوار الأروقة" وقوة مصر الناعمة
22/04/2021 | قضايا عربية | مصادر أخري
روابط ذات صلة
29/07/2021
نحو استراتيجية شاملة لمواجهة معضلة الندرة المائية(٢/١)  
15/07/2021
تأملات في دروس جلسة مجلس الأمن(٢/١)  
08/07/2021
مجلس الأمن وسد النهضة  
01/07/2021
أعباء الدور الخارجي المصري وتكلفته  
22/06/2021
دروس القمة الأميركية الروسية  
   

   أعلنت اليونسكو يوم الخميس الماضي نبأ فوز ثمانية معماريين مصريين بمشروعهم المسمى "حوار الأروقة" بمسابقة إعادة بناء جامع النوري الكبير في الموصل بعد مرور أربع سنوات على تدميره من قِبَل مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، وهو الجامع الذي يعود تاريخه للقرن الثاني عشر والذي أعلن منه أبو بكر البغدادي دولة الخلافة. تأملت في المعنى الرمزي للنبأ، فهاهم أبناء مصر الذين قدموا تضحيات هائلة في معركة القضاء على الإرهاب يقدمون علمهم وخبرتهم في عملية إعادة بناء ما دمره الإرهاب، وهو ليس بالدور الجديد على مصر والمصريين، وكم يشعر الإنسان بالفخر وهو يقرأ تصريحات أعضاء الفريق الفائز بعد فوزهم، ويتقدمهم الدكتور صلاح الدين سمير هريدي أستاذ العمارة بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية ويضم كلاً من خالد فريد الديب وشريف فرج إبراهيم وطارق على محمد ونهى منصور ريان وهاجر محمد عبد الغني جاد ومحمد سعد جمال ويسري محمد البهاء، وسجل جميعهم حافل بالأعمال في مجال إعادة تأهيل التراث والتخطيط الحضري والعمارة الملائمة للبيئة، وتكشف تلك التصريحات عن وعي فائق بالعلاقة العضوية بين العمارة والمجتمع، ويقول الدكتور هريدي أن الأهم أن يفهم المرء المجتمع لأن العمارة إفراز له وأن الجامع نشأ في عهد شهد ارتباطاً وتجارة وثقافة مشتركة، وصحيح أن هناك فروقاً محلية لكن ثمة ارتباطات عامة، ويؤكد كلامه بقوله "مثلاً هذه القبة (أي قبة المسجد) نجد كثيراً منها في مصر الإسلامية. المسألة ليست بعيدة وجميعنا عرب ونفهم بعضنا البعض"، وهي كلمات تصلح درساً لمن ينكرون ضوء الشمس، وقد دفعني الفوز الأخير للمعماريين المصريين إلى أن أعود بالذاكرة إلى أقل من ثلاث سنوات مضت حين قررت الحكومة التنزانية في ديسمبر٢٠١٨ إسناد تنفيذ السد المسمى باسم بطل استقلال تنزانيا "جوليوس نيريري" إلى تحالف بين شركتي المقاولين العرب والسويدي إلكتريك بتكلفة ٢.٩مليار دولار، وهو حلم تنزاني يعود إلى ستينات القرن الماضي يحمي البلاد من مخاطر فيضانات نهر روفيجي ويخزن ٣٤مليار متر٣ بما يضمن توافر المياه على مدار العام، وهكذا تواصل مصر كتابة صفحات جديدة في سجلها المشرف المتعلق ببناء السدود لأغراض التنمية في أفريقيا، وليس لأغراض الخراب كما تحاول إثيوبيا أن تفعل. يشهد بذلك سد أوين في أوغندا وجبل الأولياء في السودان، واللافت أن التحالف المصري قد فاز في مناقصة عالمية واجه فيها منافسة من شركات صينية وتركية تماماً كما فاز المعماريون المصريون في مسابقة دولية، أي أننا نتحدث عن شهادات جودة عالمية للبنائين المصريين تلقي الأضواء مجدداً على قوة مصر الناعمة.
   ولقوة مصر الناعمة تاريخ حافل مشرف في محيطها العربي والأفريقي، ومازلت أذكر كيف أصابتني الدهشة عندما حدثني المناضل الجزائري المرحوم محمد الميلي للمرة الأولى عن تأثير مجلة "الهلال" المصرية على المثقفين الجزائريين في الحقبة الاستعمارية، وكيف كانوا ينتظرون وصول الأعداد القليلة منها ويتبادلونها فيما بينهم سواء وصلت بالطرق الرسمية عندما كانت السلطات الفرنسية تسمح بذلك أو مهربة إذا منعت دخولها، وتداعت إلى الذاكرة تلك الأجيال من المعلمين المصريين الأجلاء الذين نشروا التعليم في ربوع الوطن العربي كافة والقصص التي سمعتها من رموز تولت مناصب رفيعة في بلدانها عن تفاني هؤلاء المعلمين في أداء رسالتهم وعرفانهم للحكومات المصرية التي كانت تتولى دفع رواتبهم، وكذلك تلك الأجيال التي تلقت العلم في المؤسسات التعليمية المصري فحملت الجميل لمصر كالشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة وصاحب الأيادي البيضاء على العلم والثقافة في مصر والشيخ أحمد خليفة السويدي مستشار الشيخ زايد، وجاسم القطامي خريج كلية الشرطة المصرية دفعة الفنان صلاح ذو الفقار وقائد شرطة الكويت إبان العدوان الثلاثي على مصر الذي رفض تنفيذ أوامر التعرض للمظاهرات الكويتية المؤيدة لمصر، أما الدور التحرري لصوت العرب في البلدان العربية فقصته مشهورة، وقد ألقى سفير الجزائر بالقاهرة كلمة في الجامعة العربية بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لصوت العرب فقال أن قيادات جبهة التحرير الجزائرية لاحظت طفرات في أعداد المتطوعين من الشباب الجزائري فبدأت تسألهم عن سبب تطوعهم فإذا بالإجابة واحدة وهي "صوت العرب"، وكان الشرط الأساسي لبريطانيا لبناء الثقة قبل أي مفاوضات للتهدئة أثناء حرب التحرير في جنوب اليمن هو وقف دعاية صوت العرب المضادة لها، ولعبت الإذاعات الأفريقية الموجهة من مصر أدواراً مهمة في معارك التحرر الأفريقي، وفاجأنا شيخ يمني في محاضرة لي عن الأوضاع في اليمن في مكتبة مصر العامة في مارس الماضي بقوله "تتحدثون عن دور الجيش المصري في اليمن وتنسون أن هذا الجيش كان مصحوباً بقوافل المعلمين والأطباء الذين نشروا العلم وحاربوا المرض في بلدي"، أما الأفلام السينمائية والدراما التليڤزيونية فحدث عنها ولا حرج، وقد تركت المسلسلات الاجتماعية والسياسية الرائدة كليالي الحلمية و"ليلة القبض على فاطمة" و"طه حسين" و"رأفت الهجان" على مشاهديها العرب آثاراً لافتة، وكنت أعمل أستاذاً بجامعة صنعاء أثناء إذاعة حلقات "ليلة القبض على فاطمة"، فكانت الشوارع تخلو من المارة حينذاك، وأُسقطت شخصياتها على الواقع اليمني، وكتب سياسي يمني شهير مقالة يدفع عن نفسه فيها تهمة الانتهازية بعنوان "أنا لست المنزلاوي" (شقيق فاطمة الانتهازي في المسلسل)، ورغم اختلاف الأمور حالياً إلا أن مسلسلات مثل "الاختيار" و"الاختيار٢" مازالت تلعب هذا الدور التنويري.
   سوف يقول قائل أن الأمور قد اختلفت الآن وأن بعضاً من عناصر قوة مصر الناعمة أو حتى عديداً منها قد تراجع، وقد يكون هذا صحيحاً جزئياً، لكن المؤكد أن مصر مازالت تملك العديد من العناصر الأساسية لقوة ناعمة يمكن أن تلعب دوراً فعالاً في خدمة المصالح الوطنية، ويكفي أن نشير على سبيل المثال إلى نخبة العلم والثقافة والفن في مصر ومؤسساتها التعليمية والتدريبية المدنية والعسكرية والملايين من أبناء مصر في الخارج الذين حققوا نجاحات حقيقية ومازال انتماؤهم لوطنهم كأقوى ما يكون، وإحساسي أننا بحاجة إلى رؤية استراتيجية تحدد عناصر قوة مصر الناعمة وجوانب التميز والنقص فيها وكيفية تطويرها إلى الأفضل وآليات توظيفها لتحقيق المصالح المصرية وتقييم جدوى هذا التوظيف، وظني أن التحديات التي يواجهها الوطن تتطلب أخذ هذا الموضوع مأخذ الجد.
أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
نحو استراتيجية شاملة لمواجهة معضلة الندرة المائية(٢/١)
29/07/2021  
تأملات في دروس جلسة مجلس الأمن(٢/١)
15/07/2021  
المزيد
الإتحاد
تداعيات المأزق السياسي الليبي
27/07/2021  
حول بيان المبعوث الأممي لليبيا
20/07/2021  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد