أضف للمفضلة
بحث متقدم 
تركيا: مصالحة مع الجغرافيا والتاريخ
03/11/2009 | أخري | الإتحاد
روابط ذات صلة
27/07/2021
تداعيات المأزق السياسي الليبي  
20/07/2021
حول بيان المبعوث الأممي لليبيا  
13/07/2021
تأملات في الانسحاب الأميركي من أفغانستان  
06/07/2021
تطورات خطيرة في الملف الليبي  
29/06/2021
«برلين2» وعقدة التسوية الليبية  
   

كأية خطة عسكرية بالغة الإحكام قامت الدبلوماسية التركية خلال شهر أكتوبر المنصرم وبالذات في نصفه الأخير بهجوم دبلوماسي واسع النطاق تصالحت فيه مع جغرافيتها وتاريخها. وهو هجوم يصلح لأن يدرس لكل من يتحدث عن الدور الإقليمي: مقوماته وأبعاده ومظاهره، ويؤكد أن السياسة التركية جادة في تغيير وجهتها بما يتسق وحقائق القوة العالمية والإقليمية على نحو ما سيجيء.

في البدء وبالتحديد في العاشر في أكتوبر الماضي تمت المصالحة مع أرمينيا وإنشاء علاقات دبلوماسية بين البلدين، وهي خطوة تكتسب أهميتها بقدر تجذر العداء التركي- الأرمني على خلفية مذابح الأرمن المعروفة التي بقيت فيها تركيا في قفص الاتهام طويلاً، وبعد أيام قليلة وبالتحديد في الرابع عشر من الشهر نفسه قام الرئيس الأرمني بزيارة لتركيا لحضور مباراة كرة قدم بين بلده وتركيا في تصفيات كأس العالم، وهي من ناحية أخرى تعد رداً على الزيارة التي كان الرئيس التركي عبدالله جول قد قام بها لأرمينيا. وتبدو عملية المصالحة شاقة بطبيعة الحال، وتتعثر من حين لآخر، ولكن التصميم التركي على إغلاق ملف النزاع التركي- الأرمني واضح.

في الوقت نفسه تقريباً، وبالتحديد في الثالث عشر من شهر أكتوبر عقد أول اجتماع وزاري تركي- سوري في إطار المجلس الاستراتيجي بين البلدين، وحضر الاجتماع كل من داود أوغلو ووليد المعلم وزيري خارجية البلدين اللذين اجتازا لاحقاً مع عشرات من المسىؤولين من الجانبين الحدود بين مدينتي حلب السورية وغازي عينتاب التركية لتدشين العمل باتفاق إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين لتحقق العلاقات التركية- السورية مزيداً من الرسوخ بعد سنوات ليست ببعيدة كانت تتأجج فيها نوازع الخلافات سواء على خلفية النزاع على لواء الأسكندرونة، أو قضية المياه، أو المنحى الاستراتيجي الذي اتخذته العلاقات التركية- الإسرائيلية في تسعينيات القرن الماضي، وكذلك الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني واستضافة زعيمه عبدالله أوجلان إلى حين الأمر الذي وصل بالعلاقات بين البلدين إلى شفا الصدام المسلح.

في اليوم التالي مباشرة لبدء الاجتماع الوزاري التركي- السوري وصل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى العراق في زيارة فتحت ملفات حزب العمال الكردستاني والمياه ورفع قيمة التبادل التجاري بين البلدين من 5 مليارات دولار سنوياً إلى 20 مليار دولار، ناهيك عن توقيع عشرات من مذكرات التفاهم بين البلدين. وقبل نهاية الشهر بيوم واحد اتخذت الدبلوماسية التركية خطوة أخرى في سبيل تعزيز وضعها في العراق بزيارة لداود أوغلو وزير الخارجية حيث افتتح قنصلية تركية في البصرة، ثم انتقل إلى أربيل حيث التقى برئيس إقليم كردستان العراق في أول زيارة من نوعها لمسؤول تركي للإقليم الذي كانت تركيا ترفض الاعتراف بخصوصيته وحكمه الذاتي تحسباً لانعكاسات ذلك على مشكلة الأكراد في تركيا، ولذلك لم تكن مصادفة أن تتم الزيارة بعد خطوات تصالحية قامت بها الحكومة التركية تجاه أكرادها في الداخل، وقد اتفق أوغلو مع بارزاني على فتح قنصلية تركية في أربيل.

وأخيراً وليس آخراً اكتمل الهجوم الدبلوماسي التركي في الشهر المنصرم بزيارة أردوغان لإيران في الثامن والعشرين من الشهر حيث شدد على أن إيران وتركيا "محور للاستقرار في المنطقة"، وأكد حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وانتقد موقف الغرب المنحاز في هذا الملف، واعتبر أي عمل عسكري ضد إيران ضرباً من الجنون، وبحث رفع قيمة التبادل التجاري بين البلدين من 12 مليار دولار حالياً إلى 20 ملياراً بحلول عام2012.

وقد سبق هذا "الهجوم" الدبلوماسي المتكامل "تمهيد نيراني" ممتد أقدمت فيه تركيا على عدد من الخطوات التي تشير إلى تغير حقيقي في "وجهة" سياستها الخارجية، بدءاً من رفض مرور قوات الغزو الأميركي للعراق عبر أراضيها في عام2003، مروراً بالوساطة بين إسرائيل وسوريا في مفاوضات السلام، وموقف لفظي حاد من عدوان إسرائيل على غزة تلاه الانسحاب الشهير لأردوغان من منتدى دافوس احتجاجاً على التحيز في عرض وجهة النظر الإسرائيلية أكثر من وجهة نظر منتقديها، ووصل الذروة بإلغاء المناورات العسكرية المشتركة مع إسرائيل وإحلال مناورات تركية- سورية محلها، والسماح بإذاعة مسلسل تلفزيوني في تركيا يعرض لحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، واستدعت إسرائيل السفير التركي لديها للاحتجاج عليه رسمياً، وانتهاءً بدور تركي فاعل في الأزمة الراهنة للعلاقات السورية- العراقية يجري بمباركة من جامعة الدول العربية.

يستند هذا الهجوم الدبلوماسي التركي دون شك إلى رؤية جديدة لدور تركيا تركز على الإقليم الذي كان لها دور تاريخي فيه وليس على أوروبا التي كانت سبباً في تفكك الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وما زالت تحرمها من "جنة" الاتحاد الأوروبي على رغم كل الوعود والشروط، وتستند كذلك إلى عوامل القوة العسكرية التركية التي تجعل تركيا واحدة من أقوى الدول عسكرياً في الإقليم، وإلى اقتصاد قوي نامٍ يحتاج أسواقاً واسعة، وإلى نظام ديمقراطي ذي توجه إسلامي معتدل يحقق التوازن بين الإسلام والديمقراطية، وهو ما يجعل لتركيا قبولاً من هذا المنظور أكثر من إيران التي تلقي بثقلها وراء قوى سياسية محل خلاف في الوطن العربي، فضلاً عن أن إسلامها ذو نبرة راديكالية تزعج كثيراً من دول المنطقة.

يبدو العرب وكأنهم يقفون متفرجين على ما يدور من تنافس إقليمي على الوطن العربي، مع أن تلميحات "النظام الإقليمي الجديد" قد تكررت على لسان أكثر من زعيم إقليمي في المنطقة. صحيح أن إنشاء هذا النظام لن يكون بالأمر اليسير، لكن العرب يتعين عليهم أن يشاركوا في تأسيسه، بل إن بعض القوى العربية تشارك بنشاط على أساس فردي في الدعوة لهذا النظام الإقليمي وتأسيسه، وهو أسوأ الخيارات بالنسبة للعرب الذين يتعين عليهم أن يكون لهم موقفهم الجماعي مما يجري على أرضهم. ومع أن النظام الإقليمي الجديد سوف يمثل "شرق أوسطية" مغايرة تماماً للشرق أوسطية الأميركية في عهد بوش الابن، لكنهم على الأقل يجب أن يظهروا فيها كقوة جماعية فاعلة وليس كجسد تشظى بفعل الخلافات العربية البينية التي أصبحت ترفاً لا يتحمله العرب في هذه الظروف.

أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
نحو استراتيجية شاملة لمواجهة معضلة الندرة المائية(٢/١)
29/07/2021  
تأملات في دروس جلسة مجلس الأمن(٢/١)
15/07/2021  
المزيد
الإتحاد
تداعيات المأزق السياسي الليبي
27/07/2021  
حول بيان المبعوث الأممي لليبيا
20/07/2021  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد