أضف للمفضلة
بحث متقدم 
ثقافة الفساد
31/08/2017 | أخري | مصادر أخري
روابط ذات صلة
16/11/2017
تأملات فى الأزمة اللبنانية  
09/11/2017
عشرة أيام مجيدة  
02/11/2017
الإعلام والحرب على الإرهاب  
26/10/2017
منتدى «الاتحاد» وأزمة النظام القطرى  
19/10/2017
تأملات فى معركة اليونسكو  
   
فى يوم واحد هو يوم الأحد الماضى قرأنا وسمعنا عن واقعتى فساد من الوزن الثقيل طالت الأولى منهما نائبة محافظ الاسكندرية، والثانية عصابة من موظفى مخازن التموين التابعة لوزارة الصحة، وتهمة الأولى التورط فى عدة وقائع فساد تشمل تقاضى رشاوى قيمتها نحو سبعة ملايين جنيه مما ترتب عليه إضرار بالمال العام بما قيمته نحو عشرة ملايين، وتمثلت المخالفات فى تعطيل تنفيذ قرارات إزالة وأخرى تتعلق بالتعديات على ترعة المحمودية، أما تهمة موظفى وزارة الصحة فتمثلت فى سرقة أحراز المخدرات من مخازن الوزارة والموجودة على ذمة قضايا تنظرها النيابة العامة تقدر قيمتها بأربعة ملايين جنيه، ونعلم جميعاً أن هاتين الواقعتين ليستا سوى غيض من فيض فقد كشفت هيئة الرقابة الإدارية وبالذات فى السنوات الثلاث الأخيرة عن عدد من قضايا الفساد التى تورطت فيها شخصيات يُفترض أنها تنتمى لصفوة المجتمع، وتتمثل ممارسات الفساد فى أعمال متنوعة كقبول توريد معدات مخالفة للمواصفات أو إسناد أعمال توريدات لشركات بعروض أسعار أعلى أو عمليات تزوير لتمكين الراشين من أراضٍ مملوكة للدولة أو التغاضى عن عمليات تهرب ضريبى أو وقف تنفيذ قرارات إزالة وهلم جرا، والضرر الناجم عن ممارسات الفساد هذه هائل، ويشمل الضرر المادى الذى يُضَيع على الدولة مبالغ طائلة وصلت إلى مليارات الجنيهات كما فى قضية مواسير مياه القاهرة الجديدة ناهيك عن الضرر الإنسانى الذى يتمثل فى فقدان أرواح عندما تنهار الأبراج السكنية المخالفة التى عطل الفساد إزالتها أو تتردى الخدمة الطبية نتيجة استخدام مستحضرات أو أجهزة غير مطابقة للمواصفات مما يهدد أرواح المواطنين، وفضلاً عما سبق هناك فساد لا يكلف الدولة شيئاً مادياً وإن ألحق بسمعتها ضرراً بليغاً فهو فساد أخلاقى يهدد أرواح بسطاء المواطنين كما فى القضية الكبرى التى كشفت عنها هيئة الرقابة الإدارية أيضاً للشبكة غير المشروعة لزراعة الأعضاء البشرية باستغلال حاجة هؤلاء المواطنين لنزع أعضائهم وزرعها فى أجساد من يمتلكون المال دون أن ينسى سماسرتهم بخس الضحايا حقوقهم المالية، ناهيك عن تدهور حالتهم الصحية نتيجة هذه الجريمة، وهناك أيضاً «الفساد الصغير» الذى يلجأ إليه صغار ومتوسطو الموظفين بدعوى الحاجة المادية فيُعَقِدون تقديم الخدمات للمواطنين حتى يدركوا أن «الإكرامية» هى الطريق الوحيد لإنجاز المطلوب أو يُطلب منهم ذلك صراحة إذا لم يكونوا من المنتمين إلى شريحة «اللبيب» الذى يفهم بالإشارة . 

تحمل لنا وقائع الفساد السابقة وغيرها الكثير أخباراً مفزعة ومفرحة فى آن واحد، فهى أولاً مفزعة ليس فقط لأنها كثيرة ولكن لأنها تشير إلى سمات مخيفة أولها انتشار«ثقافة الفساد» فى المجتمع المصرى بمعنى تغلغل الاعتقاد عند القادرين والبسطاء معاً بأن مصالحهم لن تتحقق وحوائجهم لن تُقضى إلا بالفساد سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، والسمة الثانية هى «الجهر بالفساد» ويبدو هذا واضحاً لدى كثير من طالبى الرشوة، وقد روى لى صاحب عقار كنت أسكن فيه أنه عندما ذهب لطلب توصيل خدمة أساسية لعقاره طُلبت منه صراحة رشوة كبيرة اضطُر للرضوخ لدفعها وأنه عندما ذهب إلى طالب الرشوة فى مكتبه بين زملائه كان يتصبب عرقاً خشية تعرضه لموقف محرج فإذا بالمرتشى يصرخ فيه ساخراً من تردده: هل تظن أن المبلغ لى وحدى؟ وحكى لى صاحب قرية سياحية موقفاً متطابقاً عندما كان ينشئ قريته، أما السمة الثالثة فلا أدرى بماذا أُسميها؟ جرأة الفاسدين أم حماقتهم أم غباءهم؟ فهؤلاء الفاسدون الذين ينتمى بعضهم على الأقل إلى مستويات الإدارة العليا يعيشون بيننا ويتابعون الحرب الضروس التى تشنها هيئة الرقابة الإدارية، ويشاهدون الفاسدين وهم يتساقطون يوماً بعد يوم بغض النظر عن مناصبهم، فلماذا لا يرتدعون ويتصورون أنهم هم بالذات سوف يفلتون؟ بل إن الكثيرين منهم يتفقون على تفاصيل فسادهم هاتفياً فتُسجَل أحاديثهم وتعجل بنهايتهم .

أما الأخبار المفرحة فهى أن لدينا جهازا وطنيا أمينا وكفئا يحارب الفساد بضراوة ويسدد كل يوم مزيداً من الضربات الناجحة له، لكنه يتعين علينا بالتأكيد ألا نتعامل معه بمنطق «اذهب أنت وربك فقاتلا» ذلك أن مواجهة الفساد عملية مجتمعية شاملة يجب أن تتضافر فيها جهود الجميع، وأول ما يجب أن يُثار هنا: أين أجهزة الرقابة الداخلية فى كل مؤسسة؟ فإذا كانت خاملة كيف يمكن أن ننشطها؟ ويجب ثانياً مراجعة التشريعات التى تتعلق بجرائم الفساد كى نتأكد من كفايتها فإن لم تكن كذلك تم تطويرها بحيث تضمن عقوبات رادعة، وقد راودتنى فى هذا الصدد دائماً فكرة أن تكون الحرب على الفساد ممتدة وألا تسقط جرائمه بالتقادم فكلما مررت بطريق بالغ السوء من الواضح أن مصائب قد حدثت فى تشطيبه سألت نفسى لماذا لا يؤتى باستشارى المشروع والشركة المنفذة معاً لكى تتم محاسبتهما على ما ارتكباه فى حق الوطن والأمثلة كثيرة، وهناك ثالثاً الإصلاح الإدارى وفكرة الشباك الواحد لأداء الخدمة بحيث تُسَلم الأوراق المطلوبة، ويتم التأكد من صحتها، ويُحدد موعد لإنجازها حتى يتجنب المواطن المرور على عدة مكاتب يطلب كل منها إكرامية كما يحدث فى تجديد الرخص، وأذكر أننى فى عام 1964! تمتعت بهذا النظام فى إدارة التجنيد عندما فوجئت بأن كل المطلوب منى هو تسليم الأوراق ومراجعتها، ثم وصلتنى شهادة تأجيل التجنيد بالبريد المسجل على عنوان منزلى بعد يومين! فهل نعجز عن أن نفعل هذا بعد مرور أكثر من نصف قرن؟ وأخيراً وليس آخراً ألم يأت بعد أوان تشكيل المجالس المحلية المنتخبة كى تكون عيناً رقابية للمجتمع على فساد المحليات الذى وصفه مسئول فى العهد السابق بأنه «وصل للركب»؟ 
أعلى الصفحة
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها
أضف تعليقك
الاسم:
 
البريد الإلكتروني:
 
التعليق:
 
 
 
الأكثر تعليقاً   الأكثر قراءة
رمال شارون المتحركة
21/06/2004  
الانتخابات البرلمانية وموقعها من الصراع على هوية العراق ومستقبله
25/02/2010  
قمة سرت: التقدم إلى الخلف
31/03/2010  
مصادر أخري
تأملات فى الأزمة اللبنانية
16/11/2017  
عشرة أيام مجيدة
09/11/2017  
المزيد
الإتحاد
التفاهم الروسي- الأميركي حول سوريا
14/11/2017  
مئة عام على وعد بلفور
07/11/2017  
المزيد
الشروق
«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
25/04/2013  
العلاقات المصرية بحماس
18/04/2013  
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © د. أحمد يوسف أحمد